ثم أجمعوا على الحجاج بن باب الحميري .
وقد اقتتل الناس يومئذ وقبله بيومين قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله تطاعنوا بالرماح حتى تقصفت ثم تضاربوا بالسيوف والعمد حتى لم يبق لأحد منهم قوة وحتى كان الرجل منهم يضرب الرجل فلا يغني شيئا من الإعياء وحتى كانوا يترامون بالحجارة ويتكادمون بالأفواه .
فلما تدافع القوم الراية وأبوها واتفقوا على الحجاج بن باب امتنع من أخذها فقال له كريب بن عبد الرحمن خذها فإنها مكرمة فقال إنها لراية مشؤومة ما أخذها أحد إلا قتل .
فقال له كريب يا أعور تقارعت العرب على أمرها ثم صيروها إليك فتأبى خوف القتل خذ اللواء ويحك فإن حضر أجلك قتلت إن كانت معك أو لم تكن .
فأخذ اللواء وناهضهم فاقتتلوا حتى انتقضت الصفوف وصاروا كراديس والخوارج أقوى عدة بالدروع والجواشن .
وجعل الحجاج يغمض عينيه ويحمل حتى يغيب في الشراة ويطعن فيهم ويقتل حتى يظن أنه قد قتل ثم يرفع راسه وسيفه يقطر دما ويفتح عينيه فيرى الناس كراديس يقاتل كل قوم في ناحية .
ثم التقى الحجاج بن باب وعمران بن الحارث الراسبي فاختلفا ضربتين كل واحد منهما قتل صاحبه وجال الناس بينهما جولة ثم تحاجزوا وأصبح أهل البصرة وقد هرب عامتهم وولوا حارثة بن بدر الغداني أمرهم ليس بهم طرق ولا بالخوارج .
فقالت امرأة من الشراة وهي أم عمران قاتل الحجاج بن باب وقتيله ترثي ابنها عمران .
( أللَّهُ أيَّد عِمْراناً وطَهَّره ... وكان عمرانُ يدعو الله في السَّحَرِ )