ذلك وأما الفرزدق فإنه يهجو جريرا بأنحاء مختلفة ففي كل قصيد يرميه بسهام غير السهام التي يرميه بها في القصيد الآخروأنا أستكذب راوي هذه الحكاية ولا أصدقهفإن البحتري عندي ألب من ذلك وهو عارف بأسرار الكلام خبيرا بأوساطه وأطرافه وجيده ورديئه وكيف يدعي على جرير أنه لم يهجو الفرزدق إلا بتلك المعاني الأربعة التي ذكرها وهو القائل .
( لَمَّا وَضَعْتُ عَلَى الْفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ... وَعَلَى الْبَعِيثِ جَدَعْتُ أَنْفَ الأَخْطَلِ ) فجمع بين هجاء هؤلاء الثلاثة في بيت واحد .
ولقد تأملت كتاب النقائض فوجدت جريرا رب تغزل ومديح وهجاء وافتخار وقد كسا كل معنى من هذه المعاني ألفاظا لائقة به ويكفيه من ذلك قوله .
( وَعَاوٍ عَوَى مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ رَمَيْتُهُ ... بِقافِيَةٍ أَنْفَاذُهَا تَقْطُرُ الدَّمَا ) .
( وإِنِّي لَقَوَّالُُ لِكُلِّ غَرِيبَةٍ ... وَرُودٍ إِذا السَّارِي بِلَيْلٍ تَرَنَّمَا ) .
( خَرُوجٌ بِأفْوَاهِ الرُّوَاةِ كَأنَّها ... شَبَا هُنْدُوانيٍّ إذَا هُزَّ صَمَّمَا ) .
( غَرَائِبُ آلاَفُُ إذَا حَانَ وِرْدُهَا ... أخَذْنَ طَرِيقاً لِلْقَصائِدِ مُعْلَمَا ) ولو لم يكن لجرير سوى هذه الأبيات لتقدم بها الشعراء وسأذكر من هجاء الفرزدق ما ليس فيه شيء من تلك المعاني الأربعة التي أشار البحتري إليهافمن ذلك قوله .
( وَقَدْ زَعَمُوا أنَّ الْفَرَزْدَقَ حَيَّةُُ ... وَمَا قَتَلَ الْحَيَّاتِ مِنْ أَحَدٍ قَبْلِي )