فيهِ إلا من جهة حسن السبك أو من جهة الإيجاز في اللفظِ ولم أر أحدا أغرب في هذا المعنى فسلك هذه الطريق مع اختلاف مقصده إليها إلا مسلم بن الوليدِ فقال .
( أَشْرَبْتَ أَرْوَاحَ الْعِدَا وَقُلُوبَهَا ... خَوْفاً فَأَنْفُسُهَا إِلَيْكَ تَطِيرُ ) .
( لَوْ حَاكَمَتْكَ فَطَالَبَتْكَ بِذَحْلِهَا ... شَهِدَتْ عَلَيْكَ ثَعَالِبٌ وَنُسُورُ ) فهذا من المليح البديع الذي فضل به مسلم غيره في هذا المعنى وكذلك فعل أبو الطيب المتنبي فإنه لما انتهى الأمر إليه سلك هذه الطريق التي سلكها من تقدمه إلا أنه خرج فيها إلى غير المقصد الذي قصدوه فأغرب وأبدع وحاز الإحسان بجملته وصار كأنه مبتدع لهذا المعنى دون غيره فمما جاء من قوله .
( يُفَدِّي أَتَمُّ الطَّيرِ عُمْراً سِلاَحَهُ ... نُسُورُ الْمَلاَ أَحْدَاثُهَا وَالْقَشَاعِمُ ) .
( وَمَا ضَرَّهَا خَلْقٌ بِغَيْرِ مَخَالِبٍ ... وَقَدْ خُلِقَتْ أَسْيَافُهُ وَالْقَوَائِمُ ) ثم أورد هذا المعنى في موضع آخر من شعرهفقال .
( سَحَابُُ مِنَ الْعِقْبَانِ تَرْجُفُ تَحْتَهَا ... سَحَابُُ إِذا اسْتَسْقَتْ سَقَتْهَا صَوَارِمُهُ ) وهذا معنى قد حوى طرفي الإغراب والإعجابوقال في موضع آخر .
( وَذِي لَجَبٍ لاَ ذُو الْجَنَاحَ أَمَامَهُ ... بِنَاج ٍوَلا الْوَحْشُ الْمُثَارُ بِسَالِمِ ) .
( تَمُرُّ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهْيَ ضَعِيفَةُُ ... تُطَالِعُهُ مِنْ بَيْنِ رِيشِ الْقَشَاعِمِ ) .
( إذَا ضَوْؤُهَا لاَقَى مِنَ الطَّيْرِ فَرْجَةً ... تَدَوَّرَ فَوْقَ الْبَيْضِ مِثْل الدَّرَاهِمِ ) وهذا من إعجاز أبي الطيب المشهور ولو لم يكن له من الإحسان في شعره إلا هذه الأبيات لاستحق بها فضيلة التقدم .
ومما ينتظم بهذا النوع ما توارد عليه أبو عبادة البحتري وأبو الطيب المتنبي في وصف الأسد وقصيدتاهما مشهورتانفأول إحداهما