وستين سنة ولم أره يوما يخلى مطالعة كتاب أو كتب ما يخلده حتى إن أيام الأعياد لا يخليها من ذلك ولقد دخلت عليه في يوم عيد وهو في جهد عظيم من الكتب فقلت له يا سيدي أفي هذا اليوم لا تستريح فنظر إلي كالمغضب وقال أظنك لا تفلح أبدا أترى الراحة في غير هذا والله لا أحسب راحة تبلغ مبلغها ولوددت أن الله تعالى يضاعف عمري حتى أتم كتاب المغرب على غرضي قال فأثار ذلك في خاطري أن صرت مثله لا ألتذ بنعيم غير ما ألتذ به من هذا الشأن ولولا ذلك ما بلغ هذا التأليف إلى ما تراه وكان أولع الناس بالتجول في البلدان ومشاهدة الفضلاء واستفادة ما يرى وما يسمع وفي تولعه بالتقييد والمطالعة للكتب يقول .
( يا مفنيا عمره في الكأس والوتر ... وراعيا في الدجى للأنجم الزهر ) .
( يبكي حبيبا جفاه أو ينادم من ... يهفو لديه كغصن باسم الزهر ) .
( منعما بين لذات يمحقها ... ولا يخلد من فحر ولا سير ) .
( وعاذلا لي فيما ظلت أكتبه ... يبدي التعجب من صبري ومن فكري ) .
( يقول مالك قد أفنيت عمرك في ... حبر وطرس عن الأغصان والحبر ) .
( وظلت تسهر طول الليل في تعب ... ولا تني أمد الأيام في ضجر ) .
( أقصر فإني أدري بالذي طمحت ... لأفقه همتي واسأل عن الأثر ) .
( واسمع لقول الذي تتلى محاسنه ... من بعد ما صار مثل الترب كالسور ) .
( جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم ... بعد الممات جمال الكتب والسير ) انتهى .
وولد أبو عمران موسى بن محمد في الخامس من رجب عام ثلاثة وسبعين