[298] فتحصّل : أنّ هذه الأدلّة لا دليل على تخصيصها أو تقييدها فتبقى على إطلاقها أو عمومها، ومجرّد العسر والحرج الشديد لا يبرّر القتل، فلا يجوز قتل الغير رحمة وإرفاقاً، بل لايجوز له قتل نفسه لذلك. ولو أقدم الطبيب على إماتة المريض أو تسريع موته فهل يعدّ قاتلاً يجوز أن يقتصّ منه أو تؤخذ منه الدية، أم لا يكون شيء منهما ؟ للمقام مسألة معروفة مشابهة منصوصة في كلمات الفقهاء، وهي : أنّه لو قال إنسان سليم لآخر : اقتلني وإلاّ قتلتك، لم يجز قتله; لأنّ الإذن لا يرفع الحرمة، ولكن لو أثم وقتله لم يجب القصاص عند الشيخ في المبسوط والعلاّمة في بعض كتبه والشهيد الثاني في المسالك على ما حكي عنهم ذلك، مستدلّين عليه بأنّ المقتول أسقط حقّه بالإذن فليس للوارث حقّ القصاص، وفرّع في الجواهر على هذا القول عدم وجوب الدية أيضاً; لأنّها ملك للميّت أوّلاً وبالذات، ومن ثمّ تنتقل إلى الوارث، ولذا تؤدّى منها ديونه، فالمقتول بإذنه أسقط حقّه. ولكن ناقشه في ذلك كلّه في الجواهر، ومال إلى الحكم بالقصاص أو الدية على فرض عدمه(1). والانصاف أنّ شمول أدلّة القصاص والدية للمقام لا يخلو عن إشكال، لدرء القصاص بالشبهات كالحدود، وأنّ الأصل في الدية البراءة. إن قلت : لا يصحّ حمل المقام على تلك المسألة; لأنّ المفروض هناك إكراه المقتول للقاتل بقوله : اقتلني وإلاّ قتلتك، وليس في المقام إكراه بل هو يطلب من الغير ويرجوه قتله، فلا يجوز قياس إحداهما على الاُخرى. قلت : ليست المسألة منصوصة بنصّ خاصّ حتّى يستند إلى عدم جواز القياس، بل الذي استند إليه في الحكم بعدم ثبوت القصاص أو الدية هو إذن المقتول فلا ــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر جواهر الكلام : ج 42 ص 53 ـ 54.