[ 164 ] على حسن التعبد بالشرع فهو بعينه دال على جواز النسخ، لان ما دل على جواز التعبد بالشرع ما قدمناه من المصلحة المتعلقة بالعبادة واللطف فيها. وهذا بعينه قائم في النسخ، لانه لا يمتنع أن يصير ما كان مصلحة في وقت مفسدة في وقت آخر وما هو مفسدة في وقت يصير مصلحة في غيره، وما هو مصلحة لزيد يصير مفسدة لعمرو وما يكون مصلحة لعمرو يصير مفسدة لزيد. فإذا كان ذلك غير ممتنع فلو فرضنا حصوله لمن هو عالم بالعواقب وجب أن يعلمنا ذلك وينسخ عنا ما تغير الحال فيه، كما وجب أن يعلمنا ذلك في ابتداء العبادة. وأي فرق بين أن يقول افعلوا هذه العبادة إلى وقت كذا واتركوا بعدها وبين أن يقول افعلوا مطلقا ثم يعلمنا بعد ذلك الوقت الذي تغيرت المصلحة فيه، وهل تجويز أحدهما الا كتجويز الاخر. ومتى قالوا: ان ذلك يؤدي إلى البداء. قلنا: ليس ذلك بداء، لان البداء ما جمع شروطا أربعة: أحدها أن يكون المأمور به هو المنهي عنه بعينه، وثانيها أن يكون الوجه واحدا، وثالثها أن يكون الوقت واحدا، ورابعها أن يكون المكلف واحدا. والنسخ بخلاف ذلك لان الفعل المأمور به غير المنهي عنه، لان امساك السبت في زمن موسى عليه السلام هو غير ما تناوله النهي عن امساكه في زمن نبينا صلى الله عليه وآله، وإذا تغاير الفعلان لم تتكامل شروط البداء. وكذلك إذا كان الوقتين متغايرين. ولو كان ذلك بداءا لوجب أن يكون اماتة الله الخلق بعد احيائهم واغناؤهم بعد فقرهم وصحتهم بعد مرضهم يكون بداءا، فإذا لم يكن كذلك لتغير المصلحة فيه فالنسخ مثله. ويلزم عليه أيضا أن لا تختلف شرائع الانبياء وقد علمنا اختلافها ولم يكن ذلك بداء، لانه كان في شرع آدم جواز تزويج الاخت من الاخ وفي شرع ________________________________________