[ 250 ] الأنظار، وعندما يأست قريش من العثور عليه خرج من الغار متوجهاً إلى المدينة مستديراً حول مكّة وكان يسير ليلاً وأحياناً يسلك الطرق غير السالكة حتّى وصل إلى المدينة. إذن، فروح التوكل الّتي كان يعيشها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بجميع وجوده واحساساته لم تمنعه من الأخذ بالأسباب الظاهرية. وأساساً فإنّ مشيئة الله تعالى قائمة على أساس أن يأخذ الناس في حركتهم لتحقيق مقاصدهم بالأسباب والوسائل الموجودة كما ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال : "اَبَى اللهَ اَنْ يَجْرِيَ الأَشْيَاءَ اِلاّ بِاَسْبَاب فَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْء سَبَباً"(1). وعليه فإنّ اهمال عالم الأسباب والمسببات ليس فقط لا يعدّ من التوكل، بل هو في الواقع اهمال للسنن الإلهيّة الموجودة في عالم الخلقة، وهذا ممّا لا ينسجم مع روح التوكل. ونختم هذا الكلام برواية تتعلق بزمان النبي موسى (عليه السلام) حيث ورد "أنّ موسى (عليه السلام)اعتلّ بعلّة فدخل عليه بنو إسرائيل فعرفوا علّته فقالوا له : لو تداويت بكذا لبرأت. فقال : لا أتداوى حتّى يعافيني من غير دواء، فطالت علّته فقالوا له : إن دواء هذه العلّة معروف مجرّب وإنّا نتداوى به فنبرأ. فقال : لا أتداوى، فدامت علّته فأوحى الله إليه : "وَعِزَّتِي وَجَلاَلِي لاَ اَبْرَأْتُكَ حَتَّى تَتَدَاوَى بِمَا ذَكَرُوهُ لَكَ"، فقال لهم : داووني بما ذكرتم، فداووه فبرأ، فأوجس في نفسه من ذلك، فأوحى الله إليه : "اَرَدْتَ اَنْ تَبْطُلَ حِكْمَتِي بَتَوَكُّلِكَ عَلَيَّ، فَمَنْ اَوْدَعَ الْعَقَاقِيرَ مَنَافِعَ الاَْشْيَاءَ غَيْرِي"(2). هذا الحديث الشريف يوضّح لنا حقيقة التوكل. وعندما نرى أنّ إبراهيم الخليل (عليه السلام) لا يمدّ يده إلى الملائكة في اللحظات الحرجة ولا يطلب إليهم انقاذه من نار نمرود فإنّ ذلك لا يتعارض مع مسألة الاستفادة من الأسباب الطبيعية الّتي قرأناها في سيرة النبي موسى (عليه السلام)، لأن التوسل بالأسباب المادية والطبيعية لم تكن واردة في قصّة إبراهيم (عليه السلام) بل تحكي عن نوع من الاستمداد وطلب النجاة من 1. اُصول الكافي، ج 1، ص 183، ح 7. 2. المحجّة البيضاء، ج 7، ص 432.