[ 345 ] إلاّ وانفتحت عليه أبواب الرزق والثراء ببركة دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) وحصل على ثروة طائلة غير متوقعة، فملك قطعان كبيرة من الأغنام والإبل وأصبح من الموسرين جدّاً، ولكن عندما نزلت آية الزكاة وسمع بها وعلِمَ انه يجب عليه أن يدفع مقداراً قليلاً من هذه الأموال بعنوان الزكاة إلى الفقراء والمساكين، فما كان من هذا الرجل البخيل إلاّ أن نقض عهده مع الله تعالى ومع رسوله الكريم ونسي وعده بمساعدة الفقراء وامتنع من دفع الزكاة. وهنا يتحدّث القرآن الكريم عن هذه الحالة بايجاز فيقول (فَلَمَّـآ ءَاتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ)(1). وبالرغم من أنّ "ثعلبة" لم يكن سوى رجل واحد، ولكن عندما ازدادت أمواله وكثرت ثروته استخدم بعض الأشخاص لحفظها ورعايتها، ولذلك فمن المحتمل أن تكون صيغة الجمع الواردة في الآية إشارة إلى هذا المطلب. وهناك احتمال آخر وذلك بأن مثل هذه الحالات لا تختّص بثعلبة وطلبه من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، بل إن هذه الحالة تكثر بين الناس في المجتمعات البشرية حيث يطلبون من الله تعالى هذا الطلب ويعدون بشتّى الوعود ولكنهم لا ينجحون في الامتحان الإلهي ويتحركون بعد ذلك من موقع نقض العهود هذه، والسلوك في خط الانانية والبخل وحب الدنيا وعلى أية حال فإنّ النتيجة الحتمية لنقض العهد والبخل هو أن تدب ريح النفاق في قلوب هؤلاء البخلاء وتستمر معهم إلى يوم القيامة كما تقول الآية (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَاوَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ)(2). أجل، فإنّ الرجل كان في أحد الأيّام من العباد والزهّاد وكان يسمّى بحمامة المسجد وكانت جبهته متورمة كثفنات البعير من أثر السجود ولكن بسبب البخل والانانية والشح فإنه أصبح في مواجهة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بحيث إنه اعترض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسبب الأمر بالزكاة وقال بأن الزكاة تشبه الجزية الّتي تؤخذ من أهل الكتاب، وبهذا أصبح في عداد 1. سورة التوبة، الآية 76. 2. سورة التوبة، الآية 77.