[ 348 ] الدنيا تتقلب من شكل إلى آخر، وبذلك قد يكون أثرى الناس وأكثرهم مالاً في يوم آخر من أفقر الناس، ويتبدل حال الفقير كذلك بين عشية وضحاها ليكون من أغنى الناس، إذاً فلا داعي إلى الفخر والمباهات والغرور بهذه الثروات المتنقلة لانها لا تحل مشكلة حقيقية للإنسان في واقعه النفسي. والملاحظة المهمة الاُخرى هي دعوة هؤلاء البخلاء الآخرين لسلوك طريق البخل أيضاً ليصبح الناس كلّهم مثلهم، فلا يفتضح أمرهم ولا يعيب عليهم الناس حالة الشح والبخل فيهم، مضافاً إلى أنّ مثل هؤلاء الأشخاص قد سحقوا العواطف الإنسانية تحت أقدامهم فهم يعيشون قساوة القلب وعدم الاحساس بالرحمة والعطف تجاه الآخرين، لذلك فإنّهم يتألمون عندما يرون سخاء الآخرين وترحمهم وعطفهم على الفقراء والمحتاجين ويودون أنّهم لو كانوا مثلهم في البخل. وفي هذا الصدد يقول الإمام الصادق (عليه السلام) : "إن أميرالمؤمنين (عليه السلام) بعث إلى رجل بخمسة أوساق من تمر المعيقة، وكان الرجل ممن يرجو نوافله ويؤمل نائله ورفده وكان لا يسأل علياً (عليه السلام) ولا غيره، فقال رجل لأميرالمؤمنين (عليه السلام) : والله ما سألك فلان ولقد كان يجزيه من الخمسة أوساق وسق واحد، فقال له أميرالمؤمنين (عليه السلام) : لاكثّر الله في المؤمنين ضربك اُعطي أنا وتبخل أنت، لله أنت، إذا أنا لم اُعط الّذي يرجوني إلاّ بعد المسألة ثمّ أعطيته بعد المسألة فلم أعطه إلاّ ثمن ما أخذت منه، وذلك لأني عرضته أن يبذل لي وجهه الّذي يعفّره في التراب لربي وربّه..."(1). -- "الآية السادسة" وضمن الإشارة إلى العقوبة الشديدة والعذاب الاليم الّذي ينتظر البخلاء تقول (وَاَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِرُهُ لِلْعُسْرى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ اِذْا تَرَدّى)(2). 1. وسائل الشيعة، ج 6، ص 318. 2. سورة الليل، الآية 8 ـ 10.