[ 311 ] الذهنية المسلمة حتى أنّ المسلمين كانوا يستدلون بهذه الآية كدليل على حرمة التجسّس، فقد ورد في مصادر أهل السنة من قبيل كنز العمال نقلاً عن (ثور الكندي) حيث يقول: كان عمر بن الخطاب يعسّ في الليل في أزقة المدينة فسمع يوماً صوت رجل يغني في داخل بيته فما كان من عمر إلاّ أن تسلق الجدار فصاح به: يا عدو الله أحسبت أنّك ترتكب الذنب في خفاء وأنّ الله تعالى لا يراك؟ فقال له ذلك الرجل: لا تعجل يا أميرالمؤمنين، فلو ارتكبت ذنباً واحداً فقد ارتكبت أنت ثلاثة، فانّ الله تعالى يقول (وَلا تَجَسَّسُوا) وأنت قد تجسّست علينا، ويقول أيضاً: (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)(1)، وأنت تسلقت الجدار، والله تعالى يقول: (لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا)(2)، وأنت دخلت البيت بلا اذن ولا سلام. فما كان من عمرإلاّ أن أطرق أمام هذا الاستدلال المتين ثم قال له: إذا عفوت عنك فهل تترك ما أنت عليه؟ فقال: نعم، فتركه عمر وذهب(3). التجسّس في الروايات الإسلامية: إنّ مسألة التجسّس ذكرت في الروايات الإسلامية من موقع الذم والتقبيح بحيث أنّ القاريء لهذه الروايات يستنتج أهمية وشناعة هذا العمل والسلوك الأخلاقي الذميم، ومن ذلك: 1 ـ ما ورد عن رسول الله أنّه قال: "إِيّاكُم وَالظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الحَدِيثِ وَلا تَحَسَّسُوا وَلا تَجَسَّسُوا"(4). 2 ـ ونقرأ في حديث آخر عن النبي الأكرم أيضاً قوله: "لا تَحـاسَدُوا وَلا تَبـاغَضُوا وَلا 1. سورة البقرة، الآية 189. 2. سورة النور، الآية 27. 3. كنز العمال، ج3، ص808، ح 8827. 4. صحيح المسلم، ج4، ص1985، ح2563.