[ 330 ] والقسم الأخير من حفظ السر هو المحافظة على الأسرار العسكرية والسياسية للدولة الإسلامية،ووجوبه من البديهيات، ولهذا نجد أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) إهتمّ بهذا الأمر غاية الاهتمام، وأوصى كذلك أصحابه بالمحافظة على هذه الأسرار أيضاً، والكثير من الأنتصارات التي حققّها المسلمون على أعدائهم من المشركين واليهود وقوى الانحراف الاُخرى كان بسبب الالتزام والانضباط في هذه المسألة الدقيقة، فمثلاً نقرأ في قصّة فتح مكّة أنّه لو أنّ تلك المرأة (سارة) كانت قد وصلت إلى مكة وأخبرت المشركين بما يعدّه النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) والمسلمون من الجيوش والقوى العسكرية لفتح مكّة، فمن الطبيعي أنّ فتح مكة لا يتيسّر للمسلمين بتلك السهولة، وقد تراق في سبيل ذلك الكثير من الدماء من الطرفين، ولكن تأكيد النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) على حفظ الطرق وارساله من يعيد هذه المرأة النمامة تسبب في أن يصل جيش الإسلام إلى أسوار مكة بدون أيّة صعوبة وبسرعة فائقة حتى أنّ المشركين انبهروا وتخاذلوا لما تفاجئوا من قوة الإسلام وسرعة المبادرة وعملية المباغتة لهم واستسلموا جميعاً. ونقرأ في الروايات الإسلامية إشارات إلى هذه المسألة أيضاً بتعبيرات عميقة المغزى، ومن ذلك: 1 ـ ما ورد عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: "الظَّفَرُ بِالحَزمِ بِإجـالَةِ الرَّأَي، وَالرَّأي بِتَحصَينِ الأَسرارِ"(1). 2 ـ وورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَيَّرَ قَوماً بِالإِذاعَةِ فَقَالَ: إِذا جـاءَهُم أَمرٌ مِنَ الأَمنُ أو الخَوفِ أَذاعُوا بِهِ، فَإِيَّاكُم وَالإِذاعَةِ"(2). 3 ـ ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الباقر(عليه السلام) قوله: "إِظهـارُ الشَّيءِ قَبلَ أَنْ يَستَحكُمَ مَفسَدَةٌ لَهُ"(3)، لأنّ المخالفين عندما يطلعون عليه فربّما تحركوا في سبيل المنع من تحقيقه ونجاحه. 1. نهج البلاغة، الكمات القصار، الكلمة 48. 2. مرآة العقول، ج11، ص65. 3. بحار الانوار، ج72، ص71.