[20] شيء من تلك الغيوب ويوقفهم على بعض الأسرار بحكم إحتياج القيادة الرسالية إِلى ذلك، وتبقى الأعمال ـ مع ذلك كلّه ـ هي الملاك الوحيد والمعيار الخالد والمسار الأبدي لمعرفة الأشخاص وتمييزهم وتصنيفهم. ومن هذه العبارة يستفاد أنّ الأنبياء ـ بحسب ذواتهم ـ لا يعرفون شيئاً من الغيب، كما ويستفاد منها أنّ ما يعلمونه منه إِنما هو بتعليم الله لهم وإِطلاعهم على شيء من الغيوب، وعلى هذا الأساس يكون الأنبياء ممن يطلعون على الغيب، كما أن مقدار علمهم بالغيب يتوقف على المشيئة الإِلهية. ومن الواضح والمعلوم أنّ المراد من المشيئة الإِلهية في هذه الآية ـ كغيرها من الآيات ـ هو "الإِرادة المقرونة بالحكمة" أي أنّ الله سبحانه يطلع على الغيب كلّ من يراه صالحاً لذلك، وتقتضي حكمته سبحانه ذلك. ثمّ أنهّ تعالى يذكرهم ـ في ختام الآية ـ بأن عليهم ـ وهو الآن في بوتقة الحياة، بوتقة الإِمتحان الكبير، بوتقة التمييز بين الصالح والطالح، والطيب والخبيث، والمؤمن والمنافق ـ عليهم أنْ يجتهدوا لينجحوا في هذا الإِمتحان ويخرجوا مرفوعي الرؤوس من هذا الإِختبار العظيم، إِذ يقول: (فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم). ثمّ أن الملاحظة الملفتة للنظر والجديرة بالتأمل في هذه الآية التعبير عن المؤمن بالطيب، ومن المعلوم أن الطيب هو الباقي على أصل خلقته الذي لم تشبه الشّوائب، ولم يدخل في حقيقة الغرائب. ولم تلوثه الكدورات، فالماء الطاهر الطيب، والثوب الطيب الطاهر وما شابه ذلك هو الذي لم تلوثه الكدورات، ويستفاد من هذا أن الإِيمان هو فطرة الإِنسان الأصيلة، وهو جبلته الأُولى. * * *