(281) استدلت المخطّئة لعصمة النبي الاَكرم بهذه الآية وزعمت ـ والعياذ بالله ـ دلالة الآية على أنّه كان فاقداً للاِيمان قبل الاِيحاء إليه، وقد انقلب وصار موَمناً موحداً بالوحي وبعد نزوله إليه. لكن حياته المشرقة ـ بالاِيمان والتوحيد ـ تفند تلك المزعمة، بشهادة التاريخ على أنّه من بداية عمره إلى أن لاقى ربَّه، كان موَمناً موحداً، وليس ذلك أمراً قابلاً للشك والترديد، وقد أصفق على ذلك أهل السير والتاريخ وحتى كان الاَحبار والرهبان معترفين بأنّه نبىُّ هذه الاَُمّة وخاتم الرسالات الاِلهية، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يسمع تلك الشهادات منهم في فترات خاصة في "مكة" و "يثرب" و "بصرى" و "الشام" وغيرها، وعلى ذلك فكيف يمكن أن يكون غافلاً عن الكتاب الذي ينزل إليه، أو يكون مجانباً عن الاِيمان بوجوده سبحانه وتوحيده، والتاريخ المسلّم الصحيح يوَكد على عدم صدق ذلك الاستظهار، وعلى ضوء هذا، لا بد من إمعان النظر في مفاد الآية كما لا بد في تفسيرها من الاستعانة بالآيات الواردة في ذلك المساق فنقول: بعث النبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لهداية قومه أوّلاً، وهداية جميع الناس ثانياً ـ بالآيات والبيّنات، وأخص بالذكر منها: كتابه وقرآنه (معجزته الكبرى الخالدة) الذي بفصاحته أخرس فرسان الفصاحة، وقادة الخطابة، وببلاغته قهر أرباب البلاغة وملوك البيان، وخلب عقولهم وقد دعاهم إلى التحدي والمقابلة، فلم يكن الجواب منهم إلاّ إثارة التهم حوله، فتارة قالوا: بأنّه (يُعْلّمُهُ بشر)، وأُخرى بأنّه (إفْكٌ افتراهُ وأعانَهُ عَلَيهِ قَوْمٌ آخَرَون)، وثالثة: بأنّه (أساطِيرُ الاَوّلِينَ اكْتَتَبها فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرةً وأصِيلا)، قال سبحانه ردّاً على هذه التهم التي أوعزنا إليها: (قُلْ نَزّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الّذِينَ آمَنُوا وهُدًى