(76) طيلة حياتهم وتشتد عليهم الاَزمة والمحنة من جانب المخالفين، فكانوا يعيشون بين أقوام كأنّهم أعداء ألداء، وكان المؤمنون بهم في قلّة، فصارت حياتهم المشحونة بالبلايا والنوازل، والبأساء والضراء، مظنّة لاَن يتخيّل كل من وقف عليها من نبي وغيره، انّ ما وعدوا به وعد غير صادق، ولكن لم يبرح الوضع على هذا المنوال حتى يفاجئهم نصره سبحانه، للموَمنين، وإهلاكه وإبادته للمخالفين كما يقول: (فَنُجِّىَ مَن نَشاءُ ولا يُردُّ بأسُنا عنِ القومِ المُجْرمين). (1) ويشعر بما ذكرناه قوله سبحانه: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ). (2) فالمراد من الرسول هو غير النبي الاَكرم من الرسل السابقين، فعندما كانت البأساء والضراء تحدق بالموَمنين ونفس الرسول، وكانت المحن تزلزل الموَمنين حتى أنّـها كانت تحبس الاَنفاس، فعند ذلك كانت تكاد تلك الاَنفاس المحبوسة والآلام المكنونة تتفجر في شكل ضراعة إلى الله ، فيقول الرسول والذين آمنوا معه (متى نصر الله)؟ فإنّ كلمة (متى نصر الله)مقرونة بالضراعة والالتماس،تقع مظنة تصور استيلاء اليأس والقنوط عليهم لا بمعنى وجودهما في أرواحهم وقلوبهم، بل بالمعنى الذي عرفت من كونه ظاهراً من أحوالهم لا من أقوالهم. وما برح الوضع على هذا إلى أن كان النصر ينزل عليهم وتنقشع عنهم سحب اليأس والقنوط المنتزع من تلك الحالة. هذا ما وصلنا إليه في تفسير الآية، ولعلّ القارىَ يجد تفسيراً أوقع في النفس مما ذكرناه. ____________ 1 . يوسف: 110. 2 . البقرة: 214.