(96) إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ مخالفة النهي عن الشجرة إنّما تعدّ معصية بالمعنى المصطلح إذا كان النهي مولوياً صادراً عنه سبحانه على وجه المولوية، لا أمراً إرشادياً وارداً بصورة النصح، والقرائن الموجودة في الآيات تشهد بأنّه إرشادي، لا يترتب على مخالفته سوى ما يترتب على ذات العمل من الآثار الوضعية والطبيعية ، لا مولوي حتى يترتب عليه وراء تلك الآثار، عقاب المخالفة وموَاخذة التمرّد، وإليك هذه القرائن: 1. لو كان النهي عن الشجرة نهياً مولوياً يجب أن يرتفع أثره بعد التوبة والاِنابة، مع أنّا نرى أنّ الاَثر المترتب على المخالفة بيى على حاله رغم توبة آدم وإنابته إلى الله سبحانه، وهذا دليل على أنّ الخروج عن الجنّة والتعرّض للشقاء والتعب، كان أثراً طبيعياً لنفس العمل، وكان النهي لغاية صيانة آدم (عليه السلام) عن هذه الآثار والعواقب، كما إذا نهى الطبيبُ المصابَ بمرض السكر عن تناول المواد السكرية. 2. انّ الآيات الواردة في سورة "طه" تكشف النقاب عن نوعية هذا النهى، وتصرح بأنّ النهي كان نهياً إرشادياً لصيانة آدم (عليه السلام) عمّـا يترتب عليه من الآثار المكروهة والعواقب غير المحمودة، قال سبحانه: (فَقُلْنَا يا آدمُ إنَّ هَذَا عَدُوّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى* إنّ لَكَ ألاّ تَجُوعَ فِيهَا ولا تَعْرَى* وَأَنَّكَ لا تَظْمَوَا فِيهَا ولاَ تَضْحَى) (1)فإنّ قوله سبحانه: (فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى)صريح في أنّ أثر امتثال النهى هو البقاء في الجنّة، ونيل السعادة التي تتمثل في قوله: (إنّ لَكَ ألاّ تَجُوعَ فِيهَا ولا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَوَا فِيهَا ____________ 1 . طه: 117 ـ 119.