( 13 ) اطروحة الكتاب ان رسالة عظيمة كالرسالة الاسلامية لابد وان تكون وليدة مصدر مطلق ينظم شؤون الكون ، والانسان ، والنظام الاجتماعي الذي يعيش تحت ظلاله مجموع الافراد . ولاشك ان القرآن المجيد ـ وهو كتاب الرسالة الالهية الخالد ـ يقدم لنا ملامح رائدة لمنهج النظام الاجتماعي الاسلامي ، ويعرض علينا نظرية رائعة لتنظيم مجتمعنا الاسلامي على ارقى طراز في العدالة الاجتماعية ، ومعالجة الانحراف الاجتماعي ، ورسم السياسة الصحية والتعليمية والعائلية والقضائية والسياسية للدولة الاسلامية. فقد آمنت النظرية القرآنية ـ بالاصل ـ بعدالة توزيع الثروة الاجتماعية ـ مهما كان حجمها ـ بين الافراد . وحتى ان اختلاف ادوار الافراد ودرجات نفعهم الاجتماعي لايقدم تبريراً مقنعاً لانعدام العدالة الاجتماعية ، كما حاولت النظرية التوفيقية بريادة ( اميلي ديركهايم ) او نظرية ( ماكس وبر ) اقناعنا بذلك . بل ان تفاوت قابليات الافراد في التحصيل ، وتحرك الثروة العينية والقيمية في المجتمع ينتج اختلافاً في درجات العيش ضمن الطبقة الواحدة فحسب ، ولا يتطلب تعداداً للطبقات الاجتماعية كما تؤكد النظريات الاجتماعية الغربية. ولعل اهم ما يميز النظرية القرآنية في علاج الفوارق بين الطبقات الاجتماعية هو ايمانها الجازم بان للفقراء حقاً في اموال الاغنياء . وهذا الحق ينبع من قاعدة اصالة اشباع حاجات الافراد الاساسية من الطعام واللباس والسكن التي آمنت بها النظرية الاسلامية ، وحاولت تطبيقها عبر الضرائب الثابتة الواجبة على الثروة الحيوانية والمعدنية والنقدية . وبالاجمال ، فان الاسلام خصص اكثر من ربع الثروة الاجتماعية لمساعدة الفقراء والمساهمة في المشاريع والخدمات الاجتماعية التي ترفع من مستواهم وتمنحهم فرصاً حقيقية للعمل والانتاج ؛ في حين ان مخصصات الدول الصناعية الغربية لمعالجة الفقر لا تتجاوز اثنين بالمائة من اجمالي الدخل السنوي للانظمة الرأسمالية. وعلى صعيد الانحراف الاجتماعي ، فان النظرية القرآنية تقدم علاجاً رائعاً لمشكلة الانحراف عن العرف الاجتماعي والارتكاز العقلائي الذي آمن به الافراد في المجتمع الاسلامي . فعن طريق المشاركة الجماعية في دفع ثمن الجريمة بواسطة ( العاقلة ) في حالة الخطأ او ( ولي الامر ) في حالة قصور الجاني ، وعن طريق المساواة التامة بين جميع الافراد امام القضاء والشريعة ، وعن طريق العقوبة التنفيذية الصارمة ضد المنحرفين كالقصاص والدية والتعزير ، يتم استئصال جذور الانحراف في المجتمع الانساني ؛ لان الاصل في العقوبة الشرعية هو الردع وليس الانتقام .