( 256 ) الرأي معاكس تماماً لرأي النظرية الرأسمالية ، التي ترى على ضوء افكار ( اميلي ديركهايم ) ، بأن الجريمة ضرورية لتماسك المجتمعات الانسانية ، لانها تعرف حدود السلوك المقبول (1) . وهذه الفكرة الرأسمالية الغربية يرفضها الاسلام رفضاً قاطعاً ، لأن هذه الرسالة السماوية حددت ابعاد السلوك المقبول اجتماعياً عبر النصوص الشرعية المتمثلة بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، دون ضرورة الرجوع إلى تشجيع الجريمة في النظام الاجتماعي . فاذا كانت عقوبة جناية القتل واضحة للافراد وهي القصاص في حكم الله ، فكيف يكون وقوع هذه الجناية سبباً لتماسك النظام الاجتماعي ؟ الا تكفي جدية النظام الاجتماعي في انزال العقوبة بالمهالفين نظريا ، سببا في الردع والتماسك الاجتماعي ؟ واذا كانت ابعاد السلوك المقبول معرفة في الرسالة التي يؤمن بها افراد النظام الاجتماعي ، فكيف يكون ارتكاب الجريمة تعريفاً لحدود السلوك المقبول ؟ اليس هذا دليلاً على ضعف النظام الاجتماعي الذي لايتماسك افراده الا بمشاهدة الجريمة والتماس العقوبة التي تلحقها ؟ ومع ان الرسالة السماوية العظيمة ، قد حددت وعرفت السلوك المقبول شرعياً ، وعلى اساسه وضعت مباني الثواب والعقاب ، الا انها مع ذلك ، صممت نظاماً قضائياً فريداً لم تشهد له البشرية مثيلاً في تاريخها الطويل ؛ فوضعت شروطاً للقاضي ، والمدعي ، والمدعى عليه ، والشهود . اوجبت ، وأكدت وجوبها مراراً على اجتهاد وعدالة القاضي ، لان المظلوم ____________ (1) ( اميلي ديركهايم ) . الاشكال البدائية للحياة الدينية : دراسة في علم الاجتماعي الديني . نيويورك المطبعة الحرة ، 1947 م . الطبعة الاولى عام 1912 م.