( 199 ) 2. وأمّا أن يكون مفاضاً من غيره، وقائماً بذلك الغير لكن ذلك الغير قائم بنفسه، فقد اعترفنا بواجب الوجود، ولكن في الرتبة الثانية. 3. وأمّا أن يكون الثاني قائماً بالثالث فالرابع فالخامس إلى غير نهاية، فهذا هو "التسلسل" الباطل. 4. وأمّا أن يكون الأوّل قائماً بالثاني والثاني قائماً بالأوّل وهذا هو "الدور" الثابت بطلانه واستحالته. صفوة القول: إنّ الوجود الخارجي ـ مع حذف الصور المستلزمة للدور والتسلسل ـ إمّا أن يكون "الواجب الوجود" إن كان وجوده لذاته، أو يكون مستلزماً لمثل ذلك "الوجود الواجب" إن كان وجوده مكتسباً من غيره. هذا هو توضيح البرهان المعروف ببرهان الصدّيقين والذي راح ابن سينا يعتز به ويفتخر بابتكاره، ويعتقد بأنّه أفضل برهان على وجود "واجب اللّه". ففي هذا البرهان ـ كما لاحظنا ـ لم يدرس إلاّ الوجود نفسه. فمطالعة الوجود وحده هي التي تقودنا إلى واجب الوجود. ويسمى هذا البرهان ببرهان الصديقين للاستدلال فيه باللّه على نفسه، لا بالغير عليه تعالى، وهذا هو غاية التصديق. إذ في هذا البرهان لم يتخذ النظام الكوني أو وجود المصنوعات طريقاً لإثبات الخالق. ولذلك يقول ابن سينا. "تأمّل كيف لم يحتج بياننا لثبوت الأوّل ووحدانيَّته وبراءته عن الصمات إلى تأمل لغير نفس الوجود، ولم يحتج إلى اعتبار من خلقه وفعله وإن كان ذلك دليلاً