( 338 ) فالحديث رغم أنّه يصف الإنسان بأنّه هو الذي يريد لنفسه ما يريد، وبإرادته يؤدي فرائضه ويرتكب جرائمه إلاّ أنّه في نفس الوقت يقول: بأنّه يفعل ما يفعل بأنعام اللّه وأقداره. نعم اختارت المعتزلة ما اختارت من استقلال العبد في فعله بدافع المحافظة على "العدل الإلهي" متوهّمين بأنّ القول بوجود فاعل مستقل واحد في العالم يستلزم أن يكون عقاب العصاة على أفعالهم على خلاف العدل، ولكنّهم غفلوا عن أنّ عقاب العصاة على آثامهم إنّما يكون مخالفاً له إذا أنكرنا حرية الإنسان في الاستفادة من المواهب الإلهية، واعتبرناه مجبوراً مقهوراً في أفعاله وأنكرنا وساطة العلل والأسباب وفاعليتها وعلّيتها. وأمّا إذا قلنا بمشاركة العلل والأسباب في وقوع الفعل بحيث لا يتحقق الفعل إلاّ عن هذا الطريق، أعني: وجود العبد وإرادته واختياره فلا يكون لذلك التوهم أي مجال، والقول بمشاركة العبد في فعله على النحو الذي ذكرنا لا ينافي "التوحيد الافعالي" إذ لا يعني منه إنكار علية العلل والأسباب الطبيعية وغير الطبيعية وإلغاء دورها وتأثرها، بل يعني مع احترام علية العلل وسببية الأسباب أنّه ليس ثمت سبب مستقل ومؤثر بالذات إلاّ اللّه، وانّه تعالى المؤثر الوحيد الذي يؤثر بالأصالة والاستقلال دون غيره، وبهذا الطريق وحده يمكن الاجتناب عن أي نوع من ألوان الشرك في الذات والفعل.(1) وبعبارة أُخرى: انّ اللّه قد أعطى القدرة والنعمة لعبده، ولكن جعله حراً في كيفية الاستفادة منهما، فهو بإرادته واختياره يصرف كل نعمة في أي مورد شاء، ــــــــــــــــــــــــــــ 1 . للسيد الرضي في المقام كلام فراجع حقائق التأويل: 209 ـ 210.