( 363 ) ومعلوم أنّ مثل هذه الإرادة الأزلية التي تعلّقت بأفعال الإنسان مضافاً إلى أنّها لا تخالف حرية الإنسان تكون مؤكدة لحريته واختياره، فكما أنّ إرادة اللّه نافذة وماضية إذا تعلّقت بوجود الشيء، فهكذا نافذة إذا تعلّقت بصدور شيء على نحو خاص، فلو صدرت والحال هذه ـ على غير هذا النحو ـ لزم صدور الشيء على خلاف إرادته تعالى. وحيث إنّ اللّه أراد أن يكون الإنسان حراً مختاراً آتياً بفعله باختياره فلابد أن تتنفذ إرادة اللّه بأن يأتي الإنسان بأفعاله حسب اختياره وحريته، وإذا أتى بأفعاله باختيار منه وحرية، تحققت حينئذ مشيئة اللّه في شأنه، تلك المشيئة التي شاءت أن يكون الإنسان مختاراً في أفعاله. وإذا فرضنا أنّه يصدر منه الفعل بنحو "الجبر" ودون اختياره يلزم أن لا يكون فعل الإنسان حينئذ مطابقاً للمشيئة الإلهية وأن لا تتحقّق هذه المشيئة الربانية مع أنّ من الضروري أنّ إرادة اللّه لابد أن تتحقّق ولابد أن تتنفذ. وخلاصة القول: إنّ أصل وجود الإرادة الأزلية للّه لا يكون ـ بتاتاً ـ موجباً للجبر ولا يكون رافعاً للاختيار، بل يجب علينا أن ننظر إلى كيفية تعلّق تلك الإرادة أوّلاً ثم نصدر أحكامنا في هذا المجال.(1) ــــــــــــــــــــــــــــ 1 . هذا الجواب يرجع إلى ما ربما يقال أنّ اللّه خلق الإنسان وخلق فيه (جبراً) قوة الاختيار في الأفعال بمعنى أنّه لا يجبره شيء في كل فعل يصدر منه. نعم أنّ العبد وإن كان مجبولاً على الاختيار وخُلق على الحرية التامة لكن حريته وكونه مختاراً لا يخرج عن حيطة إرادة اللّه ومشيئته إذ لا يمكن أن يوجد شيء في صفحة الوجود ويكون خارجاً عن مشيئته وإرادته بتاتاً، فصدور الفعل عن العبد عن اختيار، غير خارج عن حيطة إرداته. وعلى القارئ الكريم أن يرجع للمزيد من التوضيح إلى المثال الذي ذكرناه في صفحة 349 فإنّه يصور كيفية إرادته سبحانه وإرادة العبد.