( 440 ) التوحيد الذي بعث الأنبياء والرسول الأعظم خاصة من أجل إقراره ونشره في المجتمع الإنساني، بل يجب ـ علاوة على التوحيد الربوبي ـ أن يفرد اللّه بالعبادة ولا يشرك به أحد، لأنّ مشركي العرب مع أنّهم كانوا يوحدون خالق الكون ويعتقدون بأنّه واحد لا أكثر، فإنّ القرآن كان يعتبرهم مشركين، إذ يقول: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْـرِكُونَ)(1).(2) ولا كلام في هذا المطلب، وليس من المسلمين أحد يتحلّى بالواقعية ينكر عدم كفاية التوحيد الربوبي وحده، بل للتوحيد ـ كما أسلفنا ـ مراحل أربع وإن اقتصر الوهابيون على مرحلتين منها ونسوا أو تناسوا المرحلتين الأُخريين. غير أنّ الجدير بالذكر هو: انّه لا يختلف أحد مع هؤلاء في هذه المسألة الكلية، فالجميع متفقون على وجوب الاجتناب عن عبادة غير اللّه، ولكن المهم هو أنّ الوهابيين يتصورن أنّ تعظيم الأنبياء، وأولياء اللّه ـ مثلاً ـ عبادة، في حين أنّ بين التعظيم والعبادة ـ في نظر الآخرين ـ بوناً شاسعاً وفرقاً كبيراً . وبعبارة أُخرى: ليس بين المسلمين خلاف في هذا الأصل الكلي، وهو عدم جواز عبادة غير اللّه أبداً، وإنّما الخلاف هو في نظر الفرقة الوهابية إلى بعض الأعمال ـ كالزيارة مثلاً ـ حيث اعتبرتها عبادة، في حين لا تكون هذه الأعمال عبادة في نظر الآخرين. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 . يوسف: 106. 2 . فتح المجيد تأليف الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (المتوفّى عام 1285هـ) ص 12 و 20 ، وهذا الأمر يدرّس الآن في المناهج الدراسية عندهم، ويؤكدون على هذين النوعين من التوحيد ثم يتهمون المسلمين بأنّهم موحدون ربوبياً لا الوهياً. وقد عرفت في ما مضى أنّ تسمية التوحيد في الخالقية بالتوحيد الربوبي، وتسمية التوحيد في العبادة بالتوحيد الالوهي خطأ من حيث اللغة ومصطلح القرآن فلاحظ الصفحة 431.