( 522 ) وقد حققنا القول حول الأمر الثاني ونركّز البحث على الأمر الأوّل، فنقول: إذا اعتقد إنسان بأنّ لبرئه من المرض طريقين أحدهما طبيعي والآخر غير طبيعي، وقد سلك الطريق الأوّل ولم يصل إلى مقصوده فعاد يتوسل إلى مطلوبه بالتمسك بالسبب الثاني كمسح المسيح يديه عليه، فهل يعد اعتقاد هذا وطلبه منه شركاً وخروجاً عن جادة التوحيد أو لا ؟ وأنت إذا لاحظت الضوابط التي قد تعرفت عليها في تمييز الشرك عن غيره لقدرت على الإجابة بأنّه لا ينافي التوحيد ولا يضاده بل يلائمه كمال الملاءمة فإنّه يعتقد بأنّ اللّه الذي منح الأثر للأدوية الطبيعية أو جعل الشفاء في العسل هو الذي منح المسيح قدرة يمكنه أن يبرئ المرضى بإذنه سبحانه ، ومعه كيف يعد اعتقاده هذا شركاً؟ وبكلام آخر: انّ الشرك عبارة عن الاعتقاد باستقلال شيء في التأثير بمعنى أن يكون أثره مستنداً إليه لا إلى خالقه وبارئه والمفروض عدمه، ومع ذلك كيف يكون شركاً، والتفريق بين التوسل بالأسباب الطبيعية وغيرها بجعل الأوّل موافقاً للتوحيد دون الثاني تفريق بلا جهة، فإنّ نسبتها إلى اللّه سبحانه في كون التأثير بإذنه سواسية. نعم يمكن لأحد أن يخطّئ القائل في سببية شيء، ويقول بأنّ اللّه لم يمنح للولي الخاص تلك القدرة وانّه عاجز عن الإبراء، ولكنه خارج عن محط بحثنا، فإنّ البحث مركز على تمييز الشرك عن غيره لا على إثبات قدرة لأحد أو نفيها عنه وأظن أنّ القائلين بكون هذا الاعتقاد والطلب شركاً لو ركزوا البحث على تشخيص ملاك الشرك عن غيره لسهل لهم تمييز الحق عن غيره، إذ أي فرق بين الاعتقاد بأنّ اللّه وهب الإشراق للشمس والإحراق للنار وجعل الشفاء في العسل،