( 527 ) إنّ نفس هذه الحقيقة جارية في الاستمداد، والاستغاثة بـ "الأرواح المقدسة" العالمة الشاعرة حسب إخبار القرآن وتأييد العلوم الحديثة، فإذا استغاث شيعة موسى ـ عليه السَّلام ـ به بعد خروج روحه عن بدنه بهذه العقيدة لم يكن عمله شركاً، ولم يجعل موسى شريكاً للّه لا في الذات ولا في الصفات ولا في الأفعال، ولا في العبادة، ولم يعبد موسى بهذه الاستغاثة والطلب. وأمّا لو استغاث به وهو يعتقد باستقلال روحه في الإغاثة ويعتقد بأنّها قادرة على التأثير دون القدرة الإلهية، فإنّ هذا المستغيث يعد مشركاً ويكون موسى ـ كما يقتضي اعتقاده ـ في صف الآلهة. ولو كانت حياة المستغاث ومماته مؤثرة في الأمر، فإنّما تكون مؤثرة في جدوائية الاستغاثة أوّلاً، لا في تحديد التوحيد والشرك، والبحث عن الجدوائية وخلافها خارج عن موضوع بحثنا. ومن العجب العجاب اعتبار التوسل والاستغاثة بالحي والاستشفاع به عين التوحيد، وعد هذه الاستغاثة والاستشفاع ـ مع نفس الخصوصيات ـ بميت شركاً وفاعلها واجب الاستتابة مستحق القتل. إنّ الوهابيين يسلمون انّ اللّه سبحانه أمر العصاة بأن يذهبوا إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ويطلبوا منه أن يستغفر لهم أخذاً بظاهر الآية (النساء ـ 64)، كما يسلمون أنّ أولاد يعقوب طلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم (يوسف 97 ـ 98) غير أنّهم يقولون : إنّ هذين الموردين إنّما ينطبقان مع أُصول التوحيد لأجل حياة المستغاث، وأمّا إذا سئل ذلك في مماته عدّ شركاً. غير أنّ القارئ النابه جد عليم بأنّ حياة الرسول ومماته لا يغيِّران ماهية العمل، إذ لو كان التوسل شركاً حقيقة للزم أن يكون كذلك في الحالتين من دون