( 554 ) رجوع إلى الإذن الإلهي أو حاجة إلى ذلك، فإنّ من المحتّم أنّ هذا الطلب والاستشفاع عبادة وإنّ الطالب يكون مشركاً حائداً عن طريق التوحيد، لأنّه طلب الفعل الإلهي وما هو من شؤونه من غيره. وأمّا لو استشفعنا بأحد هؤلاء الشفعاء ونحن نعتقد بأنّه محدود مخلوق للّه لا يمكنه الشفاعة لأحد إلاّ بإذنه، فهذا الطلب لا يختلف عن طلب الأمر العادي ماهية، ولا يكون خارجاً عن نطاق التوحيد . وإنّ تصوّر أحد أنّ هذا العمل، أعني: طلب الشفاعة من أولياء اللّه، يشبه ـ في ظاهره ـ عمل المشركين، واستشفاعهم بأصنامهم، فهو تصوّر باطل بعيد عن الحقيقة. لأنّ التشابه الظاهري لا يكون أبداً معياراً للحكم، بل المعيار الحقيقي للحكم إنّما هو: قصد الطالب، وكيفية اعتقاده في حق الشافع، ومن الواضح جداً أنّ المعيار هو النيّات والضمائر، لا الأشكال والظواهر، هذا مع أنّ الفرق بين العملين واضح من وجوه: أوّلاً: أنّه لامرية في أنّ اعتقاد الموحّد في حق أولياء اللّه يختلف ـ تماماً ـ عن اعتقاد المشرك في حق الأصنام. فإنّ الأصنام والأوثان كانت ـ في اعتقاد المشركين ـ آلهة صغاراً تملك شيئاً من شؤون المقام الإلوهي من الشفاعة والمغفرة، بخلاف أهل التوحيد فإنّهم يعتقدون بأنّ من يستشفعون بهم: عباد مكرمون لا يعصون اللّه وهم بأمره يعملون، وأنّهم لا يملكون من الشفاعة شيئاً، ولا يشفعون إلاّ إذا أذن اللّه لهم أن يشفعوا في حق من ارتضاه.