( 66 ) ويبحث عنها باستمرار وقد كان يظنها في الكمالات المادية المزيجة بالنقائص والشرور وأنّها قادرة على إرواء ظمئه وغليله، ولكنَّه كلّما خطا خطوة جديدة إلى الأمام رأى خلاف ما كان يتصوره ويتوقعه، ووجده دون ما يهواه ويعشقه. إنّ عشق الكمال المطلق لدليل ـ حقاً ـ على وجود مثل هذا الكمال، ولدليل أيضاً على وجود رابطة قائمة بين الإنسان والكمال ذاك . إنّ الوصول إلى ذلك الكمال وبلوغه يحتاج إلى تفكّر وتدبّر، وإلى السير في الطريق المؤدّي إليه، وإلى الرياضة الدؤوبة التي تشعل الجذوة الكامنة في أعماق النفس وتوجد في حناياه شغفاً أكبر وعطشاً أعمق، وتحوله بالتالي من باحث عن اللّه إلى واجد للّه، ثم يتحول وجدانه للّه إلى الشهود، واليقين الذي لا ينفذ إليه شك، ولا يتسلل إليه تردد وارتياب. إنّ هذا الشهود ليس برؤية العين بل بعين البصيرة التي نوّه عنها في كلام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ إذ قال: "لم تدركه العيون بمشاهدة العيان، بل تدركه القلوب بحقائق الإيمان"(1). إنّ اليقين الحاصل للسالك والعارف في مسألة "وجدان اللّه" لهو أعلى من اليقين الحاصل من استخدام الجوارح والحواس، انّه نور لا ظلمة فيه، ويقين لا شك فيه، ولا تردد ولا احتمال ولا ظن. والآن ما هو طريق الوصول إلى مثل هذا الكمال واليقين المطلق والشهود الأعلى؟ إنّ القرآن الكريم يشير بنحو ما إلى هذا الطريق في آية، إذ يقول: ــــــــــــــــــــــــــــ 1 . نهج البلاغة: شرح محمد عبده، خطبة 174.