( 113 ) كيف لا; وكلّ الأحاديث الصحيحة التي نقلها أعلام السنّة عن النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في الفروع والاُصول لا تتجاوز (500) حديثاً. قال السيد محمّد رشيد رضا في الوحي المحمّديّ: (إنّ أحاديث الأحكام الاُصول خمسمائة حديث تمدّها أربعة آلاف فيما أذكر)(1). وقال أيضاً في موضع آخر: (يقولون: إنّ مصدر القوانين الاُمّة، ونحن نقول بذلك في غير المنصوص في الكتاب والسنّة كما قرره الإمام الرازيّ، والمنصوص قليل جداً)(2). هذه هي كلّ الأحاديث المنقولة عن طرق أهل السنّة، وهي تتعلق بالحوادث التي وقعت في زمن النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم غالباً، بينما نعلم أنّ ما حدث ووقع بعد وفاة الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان أكثر بكثير ممّا حدث في حياته الشريفة. ثمّ لما كانت أكثر الأحاديث ردّاً على الأسئلة التي يطرحها الصحابة، وتدور حول ما كان يحدث لهم، لذلك لم يسألوا عمّا لم يحدث ولم يقع بعد. وقد كان هذا عاملاً مهمّـاًمن عوامل قلّة الحديث النبويّ في الأحكام. هذا مضافاً إلى; أنّ السبب الآخر لقلّة الحديث النبويّ; هو ضياع طائفة كبيرة منه، لعدم اعتناء الأوائل بتدوين السنّة وهو الأمر الذي استوجب وقوع الخلاف والاختلاف حتى في أبسط المسائل، وأكثرها ابتلاء; مثل الاختلاف في عدد التكبيرات في صلاة الموتى ،وهو أمر كما نعلم ممّا يبتلى به المجتمع كثيراً، ولو كان هناك شيء مكتوب لما وقع الاختلاف والحيرة. فإذا بطل هذا الشقّ (أي استيعاب الاُمّة جميع ما يحتاجون إليه وتكميل الدين من هذا الطريق) تعيّن الشقّ الآخر لتفسير تكميل الدين; وهو أنّ النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أودع كل ما تحتاج إليه الاُمّة من اُصول وفروع لدى فرد أو طائفة خاصّة من الاُمّة; لكي يرجع إليهم المسلمون بعده صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ويعالجوا بما يخرجونه إليهم من تلك المعارف والعلوم، ــــــــــــــــــــــــــــ 1- الوحي المحمّديّ ( الطبعة السادسة ):212. 2- تفسير المنار لرشيد رضا 5:189.