( 168 ) وممّا يدلّ على أنّ تعيين الخليفة والقائد بهذا النمط الذي تمّ في السقيفة كان إسلوباً يعتمد على ما كان مرتكزاً ومترسِّباً في نفوسهم ممّا قبل الإسلام، أنّهم لم يلتفتوا ولم يعتنوا ـ في تعيين الخليفة ـ بالشروط اللازمة في الحاكم الإسلاميّ، ولم يستندوا في ذلك إلى أصل قرآنيّ واسلاميّ لتصحيح عملهم ـ في وقته ـ كآيات الشورى والمشورة، أو الآيات التي تضمنت كلمة البيعة; بل كان كلّ من الطائفتين المتنازعتين على نيل الرئاسة والقيادة، يرجِّح نظره وموقفه باُمور لا أساس لها في الإسلام ولا عبرة بها في تعيين الحاكم وتقرير مصير الحاكميّة كالنسب والنصرة، حيث ادّعى المهاجرون أنّ الخلافة يجب أنّ تكون فيهم لأنّ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان من قريش، وعارضهم الأنصار بأنّهم أولى بالخلافة; لأنّهم آووا الرسول ونصروه وفدوه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم. ومن المعلوم; أنّ ما استندوا إليه واستدلوا به من الملاكات لم تكن ملاكات إسلاميّة في تعيين الخليفة. وإلى عدم اعتبار تلك الملاكات الواهية; يشير الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ وينتقد أهل السقيفة على تمسكهم بها إذ يقول محتجاً عليهم: فإن كنت بالشّورى حججت خصيمهم * فكيف بهذا والمشيرون غيّب وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنّبيِّ وأقرب(1) أمّا ما ورد في كلامه ـ عليه السلام ـ من الاستدلال بالشورى. ورأي المهاجرين والأنصار وأهل الحلّ والعقد، فلم يكن إلاّ لإبطال ادِّعاء معاوية في الخلافة من باب إفحام الخصم بما يعتقده ويدّعيه، وذلك لأنّ موضوع القيادة ـ كما أسلفناه ـ، كان ينحصر في التنصيص والاستخلاف، وهوما ظلّ يعتقد به المسلمون بعد الرسول حتّى انّهم قد بنوا سيرتهم العمليّة عليه. * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 18:416.