( 239 ) إنّ الموارد التي بايع فيها المسلمون رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم جميعاً أو فرادى، لا تنحصر في هذين الموردين، بل هي أكثر من ذلك، وفي جميع تلك الموارد يبدو جليّاً أنّ المبايعين كانوا ـ بعد أن يؤمنوا بنبوّة النبيّ ويعترفوا بقيادته وزعامته ـ يصبّون ما يلازم ذلك الإيمان، من الالتزام بأوامر الرسول وإطاعته في قالب (البيعة)، فكانت البيعة صورةً عمليّةً للالتزام النفسيّ بأوامر النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بعد الإقرار بنبوّته والاعتراف المسبق بزعامته. ولو أمعن القارىء الكريم في تفاصيل الموارد التي بايع فيها المسلمون كلهم أو بعضهم (النبيّ) لوجد; أنّ البيعة لم تعن الاعتراف بزعامة الرسول ورئاسته فضلاً عن نصبه وتعيينه، بل كانت لأجل التدليل على ذلك الاعتراف والتأكيد العمليّ على الالتزام بلوازم الإيمان المسبق به صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ولذلك نجد النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان يقول: "فإن آمنتم بي فبايعوني على أن تطيعوني، وتصلُّوا وتزكُّوا" (1). "وأن تدفعوا عنّي العدوّ حتّى الموت (2)، ولا تفروا من الحرب" (3). وصفوة القول: أنّ من يلاحظ هذه المضامين; يمكن أن يحدس بأنّ الهدف من البيعة لم يكن هو الاعتراف بمنصب المبايع وانتخابه وتعيينه لمقام الحكومة والولاية، بل هو ميثاق بين شخصين وهي تندرج تحت قوله سبحانه: ( أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ) (المائدة: 1). وقوله سبحانه: ( وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ) (الإسراء: 34). فيجب العمل بمفادها ويحرم نقضها ونكثها. يقول الإمام أمير المؤمنين في الحث على الوفاء بالبيعة: "وأمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصيحة في المشهد والمغيب و الإجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم"(4). ومن مراجعة خطب الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ وكلماته في نهج البلاغة، يتضح أنّ ــــــــــــــــــــــــــــ 1- صحيح البخاري:كتاب الإيمان. 2- مسند أحمد 4:15. 3- مسند أحمد 3:292. 4- نهج البلاغة:الخطبة (34).