[92] الخلق الثابت والراسخ الآية الاُولى التي تصرّح بأنّ ( الدين ) أمر فطري وتخاطب النبي ( (صلى الله عليه وآله وسلم) ) : (فَأَقمْ وَجْهَكَ للدِّينِ حَنيفاً )(1). ومن أجل التعليل أو التشجيع على هذا الأمر تقول الآية بعد ذلك : ( فِطْرَتَ اللهِ الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها )(2). وبما أنّ من المسلّمات وجود الإنسجام بين ( التشريع ) و ( التكوين ) حيث لا يمكن وجود أمر متأصّل في خلق الإنسان غير منسجم مع سلوكه يمكن أن يكون هذا التعبير دليلا على وجوب العمل بأصل التوحيد ونفي كلّ شرك . وللمزيد من التأكيد تقول الآية بعد ذلك : ( لا تَبْديلَ لِخَلْقِ اللهِ ) . وهذا يعني انّ ما يتجذّر في أعماق الوجود الإنساني يستمرّ كأصل ثابت وراسخ ـ وكما سيتوضّح لنا في الإيضاحات ـ فانّ هذه الجملة لها معنى غزير واعجازي حيث تشير الدراسات الحديثة التي يجريها المفكّرون إلى انّ العلاقات الدينية في التاريخ هي من أشدّ العلاقات الإنسانية تجذّراً وستبقى راسخة . بيد أنّ فئة جاهلة وغافلة تقوم بإفساد هذه الفطرة الطاهرة بالشرك ، ولذا يؤكّد القرآن على المحافظة عليها بذكر كلمة ( حنيفاً )(3). وللمزيد من التأكيد تضيف الآية ( ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ) . كلمة ( قيّم ) من ( قيام ) وإستقامة بمعنى الثابت والراسخ والمستقيم كما ــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ ( حنيف ) من ( حنف ) ويعني كلّ ميل أو إنحراف وجاء بمعنى الميل من الضلال إلى الصدق ، ومن الباطل إلى الحقّ والتعبير بـ ( وجه ) هنا كناية عن الذات ، لأنّ الوجه أهمّ عضو في الجسم وتقع فيه الحواس الهامّه كحاسّة البصر والسمع والذوق والشمّ . 2 ـ توجد أقوال كثيرة حول تعليل النصب في ( فطرة الله ) ومنها انّها بتقدير ( اتّبع ) و ( الزم ) . 3 ـ يقول بعض المفسّرين بأنّ ( لا ) في ( لا تبديل لخلق الله ) نافية وتعطي معنى النهي ( مجمع البيان والميزان وتفسير أبي الفتوح الرازي ) ولكن كما قلنا فانّ النفي أنسب وأجمل ( فتأمّل جيّداً ) .