[154] تمهيد : من السبل التي سلكها علماء العقيدة والفلسفة للوصول إلى وحدانية ذات الله المقدّسة هي دراسة عالم الوجود الذي هو عبارة عن مجموعة متناسقة وكتلة مترابطة ، هذه الوحدة وهذا التناسق ينبئان عن وحدانية الخالق ، ولذا اُطلق على هذا الدليل ( برهان الوحدة والتناسق ) وقد يُطرح هذا البرهان بصورة اُخرى حيث يقال : إذا كانت هناك إرادتان تحكمان عالم الوجود ، ولو كان في عالم الخليقة تدبيران لظهر الفساد واللانظام حتماً ، وبما أنّنا لا نشهد لا نظاماً ولا فساداً فيه ، كان ذلك دليلا على وحدة الخالق والمدير والمدبّر لعالم الخليقة ، ولذا اُطلق على الإستدلال عنوان ( برهان التمانع ) . من هنا فإنّ برهان ( الوحدة والتناسق ) و ( برهان التمانع ) متّحدان جوهرياً ومحتوى ولكن لهما تعبيران ، وبعبارة أدقّ : أنّهما ينظران إلى قضيّة واحدة ولكن من زاويتين ، فنحن نصل تارةً من طريق وحدة العالم إلى وحدة المبدأ ، واُخرى من طريق عدم الفساد الناشيء من الإرادتين ، وفي الحقيقة إنّنا ننظر من الأعلى إلى الأسفل تارةً واُخرى من الأسفل إلى الأعلى . وعلى كلّ حال فإنّه من أفضل دلائل التوحيد التي إستندت إليها الآيات القرآنية . بهذا التمهيد نرجع إلى القرآن الكريم لنستمع خاشعين إلى الآيات التالية : 1 ـ ( مَا تَرى في خَلْقِ الرَّحمنِ مِنْ تَفاوُت فَارْجِع البَصَر هَلْ تَرى مِنْ فُطُور * ثمَّ ارجِع البَصَرَ كَرَّتين يَنقلِبْ الَيْكَ البَصرُ خاسِئاً وهُوَ حَسِيرٌ ) سورة الملك ـ 3 ، 4 . 2 ـ ( أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كانَ فِيهما آلِهَةٌ إلاّ اللهُ لَفَسَدَتا