[158] * * * ماذا لو كان في العالم إلهان ؟ الآية الثانية تُعرض هذا المضمون في إطار آخر وصورة اُخرى حيث تقول : ( أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ )(1). وفي التعبير بـ ( من الأرض ) إشارة لطيفة وهي أنّهم ( أي المشركون ) كانوا يصنعون آلهتهم من الحجر والخشب والمعادن وهي موجودات أرضية ، فهل بإمكان هذه الموجودات أن تكون خالقة للسموات الواسعة وأن تكون الحاكمة والمدبّرة والمديره لها ؟! ثمّ تضيف الآية في مقام الإستدلال على بطلان عقيدتهم ( لَوْ كانَ فِيهما آلِهَةٌ إلاّ اللهُ لَفَسَدَتا ) . ( فساد ) يعني في الأصل ـ كما يقول الراغب في المفردات : خروج الشيء عن حدّ الإعتدال كثيراً أم قليلا ، في الروح أو الجسم أو الأشياء الاُخرى في العالم ويقابله ( الصلاح ) . و ( الفساد ) هنا يعني الدمار والخراب واللانظام والهرج والمرج .... وتضيف الآية في آخرها ـ كاستنتاج ـ ( فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ ) . وخلاصة الإستدلال هي : لو تعدّد المدير والمدبّر والخالق والحاكم والمتصرّف في هذا العالم فانّ العالم لا يمكن أن يتّسم بالنظام والتناسق ، وذلك لإنتهاء التعدّد في الآلهة إلى تعدّد التدبير التصرّف ، وبذلك يختلّ عالم الوجود ــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ لفظ ( أم ) في الآية ـ كما يقول جمع من المفسّرين ـ منقطعة وتعني ( بل ) ، في حين اعتقد البعض بأنّها بمعنى هل الإستفهامية ، وبما أنّ المشركين لم يدّعوا أنّ الأصنام خالقة ، كان بمعنى الإستفهام الإنكاري أكثر مناسبة .