(116) ودلالة السماء ظاهرة في السماء الدنيا، ودلالة الأرض ظاهرة على هذه الأرض جميعاً، ولا دليل من القرآن على غير هذا، ولا يدفع الظاهر بالمؤوّل دون أمارة، ودعاء نوح يوحي بهذا بل يصرح بعموم الطوفان: ( رَّبِّ لاَ تَذَر عَلَى الأَرضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً ) (1). وكون رسالة نوح عالمية تؤكد ذلك: ( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً ) (2)، مؤيداً بقوله تعالى: " فَبَعَثَ الله النَبِيينَ مُبَّشِرِيِنَ وَمُنْذِرِينَ وأَنَزَلَ مَعَهُمْ الكِتَابَ " (3). والكتاب إنما ينزل على أصحاب الرسالات العالمية ونوح أولهم بإعتباره من أولي العزم الخمسة وهو الأول منهم. قال الطباطبائي: " فالحق أن ظاهر القرآن ـ ظهوراً لا ينكر ـ يدل أن الطوفان كان عاماً للأرض، وأن من كان عليها من البشر قد أغرقوا جميعاً، ولم يقم لهذا الحين حجة قطعية تصرفها عن هذا الظهور " (4). وغرق الملأ، وانتهى الأمر ونجا نوح والمؤمنون، ( فَأَنجَينَاهُ وَأَصحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلنَاهَآ ءَايَةً لِّلعَالَمِينَ ) (5). وحصر الله ذرية البشر في نوح وحده، وهو أيضاً مما يدلل صراحة على هلاك البشرية إلا نوح والذين معه: ( وَنَجَّينَاهُ وَأَهلَهُ مِنَ الكَربِ العَظِيمِ * وَجَعَلنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ البَاقِينَ * وَتَرَكنَا عَلَيْهِ فِي الأَخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَى نُوحٍ فِي العَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجزِي المُحسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُؤمِنِينَ * ثُمَّ أَغرَقنَا الأَخَرِينَ * ) (6). وتغلبت القرون الأخرى في العالم، وتعاقبت الأجيال على الكرة الأرضية حتى قوم هود عليه السلام، وهو من أنبياء العرب فبعثه الله إليهم: ( وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُم هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّن إِلَهٍ غَيرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ) (7). الدعوة نفسها، والغرض واحد، وهو التوحيد، فكفروا به بعد أن ____________ (1) نوح: 26. (2) الشورى: 13. (3) البقرة: 13. (4) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن: 10 / 266. (5) العنكبوت: 15. (6) الصافات: 76 ـ 82. (7) الأعراف: 65.