(124) إلى أميّين لا عهد لهم بالتعلم، فكان الجهل أول طوق يجب أن يكسر، وكان الجمود الفكري أول حاجز يجب أن يتجاوز، وكان التقوقع على الأوهام أول ما يجب التحرر منه، فكانت البداية هذا الافتتاح الرفيع الذي يتناسب مع هذه الثورة الجديدة، إنها الدعوة الفطرية إلى الايمان والعلم بعرض واحد، فهو إرهاص بإيمان سينتشر، وإشعار بإفاضات علمية ستضيء، مصدرها الله تعالى، وأدئها العلم، لارتياد المجهول واكتشاف المكنون (1). وتداعت قريش إلى افتراضات متناقضة تجاه القرآن، وضلّت في متاهات حائرة من أمره، فقالوا: أضغاث أحلام، وقد أيقنوا بصحوة النبي ويقظته، وعزوه إلى الكذب والاختلاق، وقد وصفوه هم أنفسهم بالصادق الامين، ونسبوه إلى الشعر، وقد علموا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبعد ما يكون عن مزاج الشاعر وأخيلته، وما استقامت لهم الدعوى بشيء، فوصموه بسلاح العاجر، وقالوا أنه مجنون، قال تعالى: ( وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيهِ الذِّكرُ إِنَّكَ لَمَجنُونٌ * ) (2). وقد دلت الأحداث الاستقرائية، والسيرة التجريبية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على رجاحة عقله، وإتزانه الدقيق في تصرفاته كافة، فرددوا قول الكهانة والجنون فرد إفتراءهم القرآن: ( فَذَكِّر فَمَآ أَنتَ بِنِعمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجنُونٍ * ) (3) وتمسكوا بأوهن من بيت العنكبوت، فأشاعوا بكل غباء أن لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم معلماً من البشر، وهو غلام رومي يمتهن صناعة السيوف بمكة، ولا يعرف العربية فردهم القرآن رداً بديهياً حاسماً، قال تعالى: ( وَلَقَد نَعلَمُ أَنَّهُم يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلحِدُونَ إِلَيهِ أَعجَمِيٌ وَهذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌ مُّبِينُ * ) (4). وحينما أعيتهم الحيلة، ووقف بهم المنطق السليم، وتداعت الأوهام المتناثرة هنا وهناك إنطلقوا إلى القول: ( إِن هَذَآ إِلاَّ سِحرٌ يُؤثَرُ ) (5)، وما كان ____________ (1) ظ: المؤلف، تأريخ القرآن: 38. (2) الحجر: 6. (3) الطور: 29. (4) النحل: 103. (5) المدثر: 24.