[ 156 ] لا يراد به المدح، لانه لو كان من اسماء المدح لما وصف بعض فاعليه بالكره، فهو على الوجه الذي بيناه، ولهذا صلح أن يدخل تحته من يعقل ومن لا يعقل. ولا يدخل تحت ذلك الجمادات على ما يزعمه من لا علم له من الحشوية، لان الاستسلام على الوجه الذي ذكرناه لا يصح منها على الحقيقة. وقد يجوز عندي أن يكون قوله تعالى: (وله أسلم) ههنا بمعنى: سلم، كما يقال: أعلم وعلم بمعنى واحد، فيكون المعنى: وله سلم من في السموات والارض، أي، اعترف بعجزه عن مثل قدرته أو انتحال شئ من صنعته، وضعف عن مقاومته ومقاهرته، كما يقول القائل: قد سلمت لامرك، أي: عجزت عن مغالبتك، وأقررت بالضعف عن مساواتك ومطاولتك، وهو ايضا راجع إلى معنى القول الاول، إلا أن الفرق بينهما أن أسلم ههنا بمعنى التسليم وهو هناك بمعنى الاستسلام. وقال قاضي القضاة أبو الحسن (أما قول من حمل (وله اسلم من في السموات والارض طوعا وكرها) على أن جميعهم يعترف بأنه الرب المعبود، وإن كان فيهم من يصدق هذا الاعتراف بالعمل الموافق له ومنهم من لا يصدقه، فبعيد، لان في المكلفين من لا يؤمن بالله تعالى أصلا، أذ المعرفة به تعالى مكتسبة غير ضرورية. وأما قول من حمله على وقوع الاعتراف بذلك من الكفار عند الموت وحال الالجاء، فقريب (1) لان حال المعاينة (2) وزوال التكليف والعبادة يعلم الله تعالى العبد نفسه باضطرار، ________________________________________ (1) وفي النسخ: (فغريب)، والظاهر الذي اثبتناه. (2) غرضه حال حضور الموت. ________________________________________