[ 254 ] وذلك ألذ شئ عندهم، وأجل موقعا من قلوبهم، ومثل ذلك لا يطلب المحب ثوابا عليه وجزاء به، وإنما يطلب ذلك على ما عليه فيه مشقة وكلفة، كالتلفت إلى الاظعان، وتكرير النظر إلى الديار، واستقطار الدمع في الرسوم والآثار، ألا ترى إلى قول الشاعر: ما سرت ميلا ولا جاوزت مرحلة * إلا وذكرك يثني دائبا عنقي وقول الآخر: [ 1 ] تلفت نحو الحي حتى وجدتني * وجعت من الاعياء ليتا وأخدعا والاشعار في ذلك اكثر من أن تستوعب وتستوفي، فإذا وضح ما ذكرناه كان قول ذي الرمة مشيرا إلى هذا المعنى، فيكون طلبه الجزاء والثواب من محبوبه إنما هو على المشقة التي عليه في بكائه، وتصاعد انفاسه، ومتابعة النظرات إلى الجانب الذي به احبابه وفيه اشجانه، من غير أن يكون هناك رؤية يلتذ بها، أو لقية يستروح إليها. وفي هذا الشعر ايضا دليل على بعد دار من يهواه من داره، لقوله: (واني متى أشرف من الجانب الذي * به أنت...)، ولا يكون اشراف البقاع في الاكثر إلا لتطلب رؤية مرمى سحيق، ومسقط حي بعيد، وذلك ايضا أعظم مشقة على الناظر، وأصعب كلفة على الطالب، وهو أجدر لمشقته بأن يطلب عليه الثواب ويلتمس به الجزاء. فأما قول الشاعر [ 2 ]: فلما بدا حوران والآل دونه * نظرت فلم تنظر بعينيك منظرا ________________________________________ (1) الصمة بن عبد الله. الليت صفحة العنق والاخدع عرق فيها و (الاعياء) في ديوان الحماسة بدلها (الاصغاء). (2) امرؤ القيس. وفي رواية (بدت) و (دونها) وحوران: جبل مشهور بالشام. ________________________________________