@ 207 @ قال رحمه الله ( هي إخبار عن مشاهدة وعيان لا عن تخمين وحسبان ) هذا في اللغة فلهذا قالوا : إنها مشتقة من المشاهدة التي تبنى على المعاينة وسمي الأداء شهادة إطلاقا لاسم السبب على المسبب , وقيل : هي مشتقة من الشهود بمعنى الحضور ; لأن الشاهد يحضر مجلس القاضي ومجلس الواقعة وهي في اصطلاح أهل الشريعة عبارة عن إخبار بصدق مشروط فيه مجلس القضاء ولفظة الشهادة فشرطها العقد الكامل والضبط والولاية والقدرة على التمييز بين المدعي والمدعى عليه وركنها لفظ أشهد بمعنى الخبر دون القسم وحكمها وجوب الحكم على القاضي بما تقتضيه الشهادة والقياس يأبى أن تكون الشهادة حجة ملزمة ; لأنه خبر محتمل للصدق والكذب ولكن ترك ذلك بالنصوص والإجماع قال رحمه الله ( وتلزم بطلب المدعي ) أي يلزم أداء الشهادة ولا يسع كتمانها إذا طلب المدعي لقوله تعالى { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } وقوله تعالى { ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه } وهذا وإن كان نهيا عن الإباء وعن الكتمان لكن النهي عن الشيء يكون أمرا بضده إذا كان له ضد واحد ; لأن الانتهاء لا يكون إلا بالاشتغال به فكان أداء الشهادة فرضا قطعا كفريضة الانتهاء عن الكتمان فصار كالأمر به بل آكد ولهذا أسند الإثم إلى الآلة التي وقع بها الفعل وهي القلب ; لأن إسناد الفعل إلى محله أقوى من إسناده إلى كله , وقولهم : أبصرته بعيني آكد من قولهم أبصرته , وإسناده إلى أشرف الجوارح دليل على أنه أعظم الجرائم بعد الكفر بالله تعالى ثم إنما يأثم إذا علم أن القاضي يقبل شهادته وتعين عليه الأداء وإن علم أن القاضي لا يقبل شهادته أو كانوا جماعة فأدى غيره ممن تقبل شهادته فقبلت فقالوا لا يأثم وإن أدى غيره ولم تقبل شهادته يأثم من لم يؤد إذا كان ممن تقبل شهادته ; لأن امتناعه يؤدي إلى تضييع الحقوق هذا إذا كان موضع الشاهد قريبا من موضع القاضي , وإن كان بعيدا بحيث لا يمكنه أن يغدو إلى القاضي لأداء الشهادة ويرجع إلى أهله في يومه ذلك قالوا : لا يأثم ; لأنه يلحقه الضرر بذلك وقال تعالى { ولا يضار كاتب ولا شهيد } ثم إن كان الشاهد شيخا كبيرا لا يقدر على المشي إلى مجلس القاضي وليس له شيء من المركوب فأركبه المدعي من عنده قالوا : لا بأس به وتقبل شهادته ; لأنه من باب الإكرام للشهود وقد قال عليه الصلاة والسلام { أكرموا الشهود } , وإن كان يقدر وأركبه المدعي من عنده قالوا لا تقبل قال رحمه الله ( وسترها في الحدود أحب ) لقوله عليه الصلاة والسلام { للذي شهد عنده لو سترته بثوبك لكان خيرا لك } وهذا الحديث ولفظ المختصر يدل على أنه