[ 198 ] وتطويع الكثير من الحقائق الشرعية والتاريخية خدمة لاغراضها المشبوهة المراد من خلالها توطيد حكمهم وتثبيت قواعده، والحط من مكانة معارضيهم ومناوئيهم وفي مقدمتهم أهل بيت النبوة عليهم السلام. ولعل الأمر ليس بعسير على أحد ادراكه من خلال استقراء الكثير من تلك الوقائع والأخبار وما تؤدي إليه بالتالي عند اعتقاد المسلمين بها، والتسليم بصحتها. وإذا لم نكن هنا بمعرض التحدت عن هذا الموضوع الحساس والمهم، قدر ما أردنا منه الاشارة العرضية إلى حقيقة خطيرة كانت لها اثار وخيمة في صياغة وبناء الكثير من الاراء والمعتقدات التي يذهب إلى تبنيها البعض. ولعل حديث الافك المشهور، والايات النازلة فيه من تلك الوقائع التي تناولتها سياسة الأمويين بالتحريف والكذب بشكل مدروس انخدع فيه الكثيرون، وسلموا بحتمية ما قرأوه من تفصيلات متعددة تصب في غرض واحد. والخبر كما يرويه أصحابنا وغيرهم هو أن المرأة التي رميت بهذا الافك كانت مارية القبطية ام ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليست عائشة كما هو مشهور عند الكثيرين الذين أخذوا بما سطرته السياسات المنحرفة التي كان يديرها الأمويون من أجل اضفاء صفة القدسية على عائشة التي نقلوا عنها أو نسبوا إليها من الأخبار المنحرفة عن أهل البيت عليهم السلام، مع ما عرف عنها من موقف حاد ومعارض لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، كان أوضحه في خروجها عليه في وقعة الجمل المشهورة التي كانت من اعظم الفتن التي ابتليت بها الأمة الاسلامية المذهولة بما تراه وتسمعه. والحق يقال: إن استقراء تلك الروايات - التي جهد واضعوها ومروجوها في إخراجها بشكل لا يدعون فيه منفذا للطعن أو الشك - يبين بوضوح جملة واسعة من المؤاخذات والردود التي تذهب إلى نفي صحة هذه النسبة، والقطع بها. ولما كان التعرض لمناقشة هذا الموضوع يتطلب التوسع الكثير في إيراد تفاصيل تلك الواقعة، فإن ذلك لا يحول دون الاشارة العابرة إلى بعض تلك الحقائق المهمة. فمن الحقائق المثيرة للاستغراب كون هذا الخبر إما منقولا عن عائشة عينها، اوعن صحابي لم يكن حاضرا في تلك الواقعة، أو أنه كان حين الواقعة صغيرا لا يعقل، أو غير ذلك من العلل المضعفة للحديث، والنافية لتواتره وصحته. هذا مع تنافي العديد من الأخبار المنقولة عن هذا الأمر مع سياق الاحداث المصورة من (*) = ________________________________________