[ 16 ] وقد يبرهن على هذه القاعدة عن طريق اثبات استحالة اختصاص الحكم بالعالم، لانه يعني ان العلم بالحكم قد أخذ في موضوعه، وينتج عن ذلك تأخر الحكم رتبة عن العلم به، وتوقفه عليه وفقا لطبيعة العلاقة بين الحكم وموضوعه. ولكن قد مر بنا في الحلقة السابقة ان المستحيل هو اخذ العلم بالحكم المجعول في موضوعه لا اخذ العلم بالجعل، في موضوع الحكم المجعول فيه. ويترتب على ما ذكرناه من الشمول ان الامارات والاصول التي يرجع إليها المكلف الجاهل في الشبهة الحكمية أو الموضوعية قد تصيب الواقع، وقد تخطئ. فللشارع إذن احكام واقعية محفوظة في حق الجميع، والادلة والاصول في معرض الاصابة والخطأ، غير ان خطأها مغتفر لان الشارع جعلها حجة، وهذا معنى القول بالتخطئة. وفي مقابلة ما يسمى بالقول بالتصويب، وهو ان احكام الله تعالى ما يؤدي إليه الدليل والاصل، ومعنى ذلك انه ليس له من حيث الاساس احكام، وانما يحكم تبعا للدليل أو الاصل، فلا يمكن ان يتخلف الحكم الواقعي عنها. وهناك صورة مخففة للتصويب مؤداها ان الله تعالى له احكام واقعية ثابتة من حيث الاساس، ولكنها مقيدة بعدم قيام الحجة من امارة أو اصل على خلافها فان قامت الحجة على خلافها تبدلت واستقر ما قامت عليه الحجة. وكلا هذين النحوين من التصويب باطل: اما الاول فلشناعته ووضوح بطلانه، حيث ان الادلة والحجج، انما جاءت لتخبرنا عن حكم الله وتحدد موقفنا تجاهه، فكيف نفترض انه لا حكم لله من حيث الاساس. واما الثاني فلانه مخالف لظواهر الادلة ولما دل على اشتراك الجاهل والعالم في الاحكام الواقعية. ________________________________________