[ 108 ] لم يظهر أبو هريرة إلا بعد الفتنة: ذكرنا لك من قبل أن أبا هريرة لم يكن له أي شأن في زمن النبي صلى الله عليه وآله ولا في زمن الخلفاء الاربعة من بعده، وأنه لم يستطع أن يفتح فاه بحديث عن النبي إلا بعد موت عمر، ولم يجرؤ على الفتيا أو يلفظ بكلمة في الدين إلا بعد أن توفى عثمان - أي بعد الفتنة الكبرى كما قرر ذلك كبار المؤرخين، أما إكثاره من التحديث عن رسول الله وإسرافه في ذلك، فلم يكن إلا في عهد بنى أمية بعد أن خلا له الجو، وأصبح من دعاتهم وأنصارهم. وإليك ما قاله ابن سعد في طبقاته وهو يترجم لعبدالله بن عباس (1): " كان ابن عباس، وابن عمر، وأبو سعيد الخدرى - وأبو هريرة - وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجابر بن عبد الله، ورافع بن خديج، وسلمة ابن الاكوع، وأبو واقد الليثى، وعبد الله بن بحينة، مع أشباه لهم من أصحاب رسول الله، يفتون بالمدينة ويحدثون عن رسول الله من لدن توفى عثمان إلى أن توفوا ". أما قبل ذلك فكان من عامة الصحابة فلم يعرف عنه أنه قام بعمل دينى كما عمل غيره من الصحابة المشهورين، اللهم إلا أنه كان يؤذن للصلاة وهو في البحرين مع العلاء بن الحضرمي كما عرفت (2) وقد ظل يهوى التأذين ويتعشقه ويميل إليه إلى زمن مروان بن الحكم أي بعد سنة 41 ه. ولا غرابة في أن يلمع نجمه المنطفئ في عهد بنى أمية المظلم، بعد أن اختفت من سمائه كواكب أعلام الصحابة وخيارهم ولم يبق فيه إلا نجوم منطفئة. ________________________________________ (1) ص 124 ج 2 ق 2 طبعة ليدن وص 336 ج 2 من تاريخ الذهبي الكبير وص 437 ج 2 من سير أعلام النبلاء و 223 ج 3 من نفس المصدر وارجع إلى كتابنا " أضواء على السنة المحمدية " الطبعة الثالثة لكى تعرف من كانوا يفتون على عهد رسول الله وعهد صاحبيه أبى بكر وعمر فإنك لا تجد منهم أبا هريرة إذ كان كما قلنا مغمورا لا يعرفه أحد. (2) يراجع هذا الامر فيما سبق من هذا الكتاب. (*) ________________________________________