[ 136 ] وما كان أبو هريرة ليستطيع أن يفتح فاه بكلمة من هذه العبارات النابية التى يخاطب بها عائشة أم المؤمنين، لولا أنه كان حينئذ تحت ظل الحماية الاموية والدولة كلها تؤيده. على أنه قد ندم بعد ذلك على ما فرط منه في حق السيدة عائشة فانقلب يعمل على إرضائها، والتقرب إليها، لانه لا يقوى على إغضابها وبخاصة في عهد بنى أمية أو يستهدف بذلك لغضب الدولة كلها. ذلك أنه ما كاد يسمع نبأ حديث نزول جبريل بصورة عائشة في سرقة من حرير وقال له: هذه امرأتك. وفى رواية للترمذي " في خرقة من حرير خضراء " (1) حتى أسرع أبو هريرة فتبرع بحديث من كيسه يقول فيه: " إن طول تلك الخرقة ذراعان وعرضها شبر ". ولا ندرى كيف عرف ذلك لكى يروية وخبر هذه السرقة قد مضى عليه قبل إسلامه حوالى عشر سنين ! ولعله قد جعل هذا الحديث نقطا (2) من عنده للسيدة عائشة ولو جاء هذا النقط بعد سنين طويلة ! قصة حديث من أصبح جنبا: على أنه لم يلبث أن عاد فاضطر إلى أن يشهد بأنها أعلم منه وأفقه، وأحفظ، وأن المرآة والمكحلة لم يشغلاها عن النبي صلى الله عليه وآله وإنما هو الذى شغله بطنه. ذلك أنه لما روى حديث " من أصبح جنبا فلا صوم له " أنكرت عليه عائشة هذا الحديث وقالت: " إن رسول الله كان يدركه الفجر وهو جنب من غير احتلام، فيغتسل ويصوم " وبعثت إليه أن لا يحدث بهذا الحديث عن رسول الله، فلم يسعه إزاء ذلك الانذار الصارخ إلا الاذعان والاستخذاء، وقال: ________________________________________ (1) ذكر ذلك الخطيب البغدادي في تاريخه من رواية أبى هريرة ونقله عنه الزركشي في كتابه (الاجابة لما استدركته عائشة على الصحابة). (2) نقط العروس قدم لها مالا أو هدية عند زفافها وهو لفظ مولد - وأبو هريرة لم تكن هداياه مالا وإنما كانت أحاديث يرويها ويعزوها إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو سخى في ذلك. (*) ________________________________________