[ 215 ] إشفاقا عليهم من النسيان، وإنها على مقتضى الحديث الثاني (حديث المقبرى)، إنما كانت بين أبى هريرة خاصة ورسول الله، والمبتدئ فيها إنما هو أبو هريرة، حيث شكا نسيانه إلى رسول الله ! وأيضا فإن الحديث الاول يقتضى: تخصيص عدم النسيان بتلك الحالة فقط (1) لقوله فيه: ما نسيت من مقالته تلك شيئا ! والحديث الثاني: يقتضى العموم في عدم النسيان لكل شئ من الاشياء، حديثا كان أم غيره مطلقا لقوله فيه: ما نسيت شيئا بعده، فإن النكرة في سياق النفى حقيقة في العموم - وقد ارتبك هنا شارحو البخاري، وارتجت عليهم أبواب الاعتذار عنه، حتى قدر ابن حجر في فتح الباري وقوع هذه القصة مرتين ! وقد أخرج مسلم هذا الحديث وقال فيه: فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثنى به، وهذا يقتضى كون عدم النسيان أعم مما اقتضاه الحديث الاول وأخص مما اقتضاه الحديث الثاني. ونحوه حديث ابن سعد بسنده إلى عمرو بن مرداس بن عبد الرحمن الجندي عن أبى هريرة قال: قال لى رسول الله: ابسط ثوبك فبسطته فحدثني النهار ثم ضممت ثوبي إلى بطني فما نسيت شيئا مما حدثنى، لكن قوله فيه: فحدثني النهار لا يوجد في هذا الحديث إلا من هذا الطريق طريق الجندي فقط، وبه كان مخالفا لكل ما جاء في هذا الموضوع من سائر الطرق إلى أبى هريرة (2). وبعد أن أورد العلامة شرف الدين أحاديث غير ذلك فيها غرائب ومنها حديث أخرجه أبو نعيم عن أبى هريرة: أن رسول الله قال: يا أبا هريرة: ألا تسألني عن هذه الغنائم التى يسألنى أصحابك (3) فقلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله ! قال: فنزعت نمرة (4) على ظهرى - وفى حديث آخر (ليس ________________________________________ (1) وقع في جامع الترمذي وحلية أبى نعيم التصريح بهذه المقالة. وأنها كانت ما هذا لفظه (ما من رجل يسمع كلمة أو كلمتين مما فرض الله عليه فيتعلمهن أو يعلمهن إلا دخل الجنة). (2) ص 56 ق 2 ج 4 الطبقات الكبرى. (3) كأنه كان وحده من دون الصحابة جميعا عفا قانعا لا يسأل عن الغنائم ولا يمد عنقه لها (4) ص 429 ج 2 سير أعلام النبلاء. (*) ________________________________________