[574] صدق أول الخبر أمكن أن يكون ما رواه أخيرا من رجوعه صلى الله عليه وآله إلى قول عمر من أكاذيبه. ويؤيده ما رواه مسلم (1) في الموضع المذكور ورواه غيره في عدة روايات أنه صلى الله عليه وآله: بشر الناس بأنه من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة، وقد روى أبو هريرة نفسه ما يقرب من هذا المعنى (2). ثم لو سلمنا صدق الخبر إلى آخره فلا شك في أنه يتضمن أن عمر رد قول النبي صلى الله عليه وآله على أخشن الوجوه وأقبحها - كما هو دأب الطغام (3) والاجلاف (4) -، ومع قطع النظر عما عرفت وستعرف من عدم جواز الاجتهاد في مقابلة النص، وأن الرد عليه صلى الله عليه وآله رد على الله وعلى حد الشرك بالله، كيف يجوز هذا النوع من سوء الادب والغلظة من مقام الرد على المجتهد ولو كان مخطئا ؟ ! وهو مأجور في خطأه، وقد أمكنه أن يرد أبا هريرة برفق ويناظر برسول الله صلى الله عليه وآله يوقفه على خطأه. ثم من أين استحق أبو هريرة أن يضرب على صدره حتى يقع على أسته ولم يقدم على أمر سوى طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وطاعة الله، وقد أمر الله تعالى بها في زهاء (5) عشرين موضعا من كتابه بقوله: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) * (6). ________________________________________ (1) صحيح مسلم 1 / 43 كتاب الايمان وكتاب الزكاة. (2) وقريب منه ما جاء في مسند احمد بن حنبل 2 / 426، و 4 / 345 - 346، و 5 / 229، وأورده في صحيح البخاري كتاب الجنائز حديث 1، وكتب أخر، وصحيح الترمذي كتاب الايمان، وصحيح النسائي في كتاب الجهاد، وكتاب الزهد لابن ماجة، وغيرها. (3) قال في النهاية 3 / 128، في حديث علي: يا طغام الاحلام..: أي من لا عقل له ولا معرفة، وقيل: هم أوغاد الناس وأراذلهم. (4) قال في مجمع البحرين 5 / 33: يقال: اعرابي جلف.. أي جاف. (5) زهاء - كغراب - بمعنى القدر، كما في مجمع البحرين 1 / 210. (6) النساء: 59، وغيرها من الآيات. ________________________________________