[252] إذ لو كانت بواطنهم خالصة للبشرية كظواهرهم، لما أطاقوا الاخذ عن الملائكة ورؤيتهم ومخاطبتهم، كما لا يطيقه غيرهم من البشر، ولو كانت أجسامهم وظواهرهم متسمة بنعوت الملائكة، وبخلاف صفات البشر، لما أطاق البشر ومن ارسلوا إليه مخاطبتهم كما تقدم من قول الله تعالى. فجعلوا من جهة الاجسام والظواهر مع البشر، ومن جهة الارواح والبواطن مع الملائكة، كما قال صلى الله عليه وآله: تنام عيناي ولا ينام قلبي، وقال: إني لست كهيئتكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني، فبواطنهم منزهة عن الافات، مطهرة من النقائص والاعتلالات. وقال في موضع آخر: قد قدمنا أنه صلى الله عليه وآله وسائر الانبياء والرسل من البشر، وأن جسمه وظاهره خالص للبشر، يجوز عليه من الافات والتغييرات، والالام والاسقام، وتجرع كأس الحمام ما يجوز على البشر، هذا كله ليس بنقيصة فيه، لان الشئ إنما يسمى ناقصا بالاضافة إلى ما هو أتم منه وأكمل من نوعه، وقد كتب الله على أهل هذه الدار " فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون " (1)، وخلق جميع البشر بمدرجة الغير، فقد مرض صلى الله عليه وآله واشتكى وأصابه الحر والقر، وأدركه الجوع والعطش، ولحقه الغضب والضجر وناله الاعياء والتعب، ومسه الضعف والكبر، وسقط فجحش شقه، وشجه الكفار وكسروا رباعيته، وسقي السم، وسحر وتداوى، واحتجم وتعوذ ثم قضى نحبه فتوفي صلى الله عليه وآله ولحق بالرفيق الاعلى وتخلص من دار الامتحان والبلوى. وهذه سمات البشر التي لا محيص عنها، وأصاب غيره من الانبياء ما هو أعظم منها، وقتلوا قتلا، ورموا في النار، ووشروا بالمياشير (2)، ومنهم من وقاه الله ________________________________________ (1) الاعراف: 25. (2) المياشير: المناشير: جمع ميشار بمعنى منشار. ________________________________________