[ 269 ] قال: نزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله) وأنا عنده، قال: مررت عليه وهو بفناء بابه فجلست إليه، فبينا هو يحدثني إذ رأيت بصره شاخصا إلى السماء حتى رأيت طرفه قد انقطع، ثم رأيته خفضه حتى وضعه عن يمينه، ثم ولاني ركبته وجعل ينفض برأسه كأنه الهم شيئا فقال: ثم رأيته أيضا رفع طرفة إلى السماء، ثم خفضه عن شماله ثم أقبل إلي محمر الوجه يفيض عرقا (1)، فقلت: يا رسول الله ما رأيتك فعلت الذي فعلت اليوم ! ؟ ما حالك قال: ولقد رأيته ؟ قلت: نعم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ذاك جبرئيل لم يكن لي همة غيره، ثم تلا عليه الآيتين، قال عثمان: فقمت من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) معجبا بالذي رأيت، فأتيت أبا طالب - رضي الله عنه - فقرأتهما عليه فعجب أبو طالب، وقال: يا آل غالب اتبعوه. ترشدوا وتفحلوا، فوالله ما يدعو إلا إلى المكارم الاخلاق، لئن كان صادقا أو كاذبا (2) ما يدعو إلا إلى الخير. قال السيد: ورأيت في غير هذا التفسير أن هذا العبد الصالح قال: كان أول إسلامي ________________________________________ (1) ظاهر الحديث ينافى ما مر من أن تلك الحالة كانت عند مخاطبة الله عزوجل اياه بلا ترجمان وواسطة، وأما جبرئيل فكان لم يدخل عليه حتى يستأذنه وكان يقعد بين يديه قعدة العبد، ولعله يحمل تلك الحالة بالغشية فقط أو يحمل هذا الحديث بابتداء النبوة ونزول الوحى، وأما بعده فيقال بمضمون ما تقدم من الاخبار، أو وقعت زيادة في الحديث. إذ الطبرسي رواه في مجمع البيان وألفاظه يغاير ذلك، قال: وجاءت الرواية أن عثمان بن مظعون قال أسلمت استحياء من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكثرة ما كان يعرض على الاسلام، ولم يقر الاسلام في قلبى، فكنت ذات يوم عنده حال تأمله فشخص بصره نحو السماء كانه يستفهم شيئا، فلما سرى عنه سألته عن حاله، فقال نعم بينا أنا احدثك إذ رأيت جبرئيل في الهواء فأتاني بهذه الاية: " إن الله يأمر بالعدل والاحسان " وقرأها على إلى آخرها، فقر الاسلام في قلبى: وأتيت عمه أبا طالب فأخبرته فقال يا آل قريش اتبعوا محمدا ترشدوا، فانه لا يأمركم الا بمكارم الاخلاق، وأتيت الوليد بن المغيرة وقرأت عليه هذه الاية فقال: ان كان محمد قاله فنعم ما قال، وان قال ربه فنعم ما قال: قال فأنزل الله: " أفرأيت الذى تولى وأعطى قليلا وأكدى " يعنى قوله فنعم ما قال، ومعنى قوله: " واكدى " انه لم يقم على ما قاله وقطعه. (2) ذلك مبالغة يريد أن دعوته (صلى الله عليه وآله) لا تكون لكم الا الخير والرشاد، يقال نحو ذلك فيمن قطع على صدقه وجزم بسداده. ________________________________________