[52] ومن هنا اكتسحت المجتمع مفترياته، وقرئت على الناس مختلقاته، وحقق معاوية بمكره ودهائه المعروف ما أراده على كلا الصعيدين وذلك عبر جهتين: فهو من جهة أعلن على المنبر عن منع كل حديث لم يسمع به في عهد عمر (1)، ومن جهة اخرى عبأ الوضاعين وأكرم كل من يروي حديثا في فضائل عثمان وأصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) المناوئون لعلي (عليه السلام) وأكرمهم بالعطايا الجزيلة والهدايا الثمينة وحثهم على جعل الحديث ونقل الأكاذيب. فكتب أبو الحسن المدائني (2) في كتابه الأحداث وثيقة تاريخية مهمة تحتوي على بيان حقائق حول كيفية منع الحديث وجعل الأحاديث المفترية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عهد معاوية، وننقل للقارئ مقتطفات من كلام المدائني، لما فيه الكفاية عن نقل سائر الشواهد الاخرى، وتجنبا عن الأطناب والأطالة. المرسوم الأول: قال المدائني: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام المجاعة: ان برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل ابي تراب - يعني الامام علي - واهل بيته - اي اهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) -. فقام الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي اهل بيته، وكان اشد الناس بلاءا حينئذ اهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة على (عليه السلام) فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لانه كان منهم ايام علي (عليه السلام) فقتلهم تحت كل حجر ومدر، واخافهم، وقطع الايدى والارجل وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق فلم يبق بها ________________________________________ (1) صحيح مسلم 2: 718 كتاب الزكاة باب (33) باب النهي عن المسألة ح 98، وج 3: 1210 كتاب المساقاة باب (15) باب الصرف وبيع الذهب ح 80. (2) العلامة أبو الحسن المدائني هو أحد المتضلعين وجهابذة علم التاريخ، له مؤلفات عديدة، نحو خطب النبي، والأحداث، وخطب أمير المؤمنين، وكتاب من قتل من الفاطميين، وكتاب الفاطميات، نقل عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة أقوالا واراء كثيرة، وتوفي عام 225 ه وكان عمره 90 سنة. ________________________________________