[90] فحينما توضع على الفلاحين الضرائب الفادحة التي لا تتناسب مع دخلهم، مع إهمال عمارة الارض وصيانتها يشعر هؤلاء الفلاحون أنهم لا يعملون لانفسهم، ولا يجنون من وراء كدحهم المرهق شيئا ذا قيمة، وانما يعملون لغيرهم، ويستغلون لهذا الغير استغلالا بشعا وذلك يخلق في نفوسهم كراهية عملهم والتذمر منه. إن هذه المعاملة التي تحدث هذا الشعور وتدفع إلى هذا الموقف تخلف في المجتمع آثارا ضارة قد تقوض المجتمع من أساسه. هذه المعاملة تدفع بأضخم طبقة في الامة إلى انحلال أخلاقي فظيع، فهذا الفلاح الذي يستغل الحاكم جهده دون أن يعوضه عليه شيئا يريد أن يعيش، وهو يتوصل إلى غايته هذه بالكذب والغش والتهريب والسرقة فبدلا من أن يعيش من أرضه بجهده يضطر إلى العيش من جيوب الآخرين بسلاحه، وينقلب قاطع طريق، مجرما، عدوا للمجتمع، بعد أن كان المفروض فيه أن يكون لبنة تزيد صرح المجتمع قوة ومناعة. ومن جملة آثارها أن تنتقل الايدى الفتية الشابة إلى بلاد اخرى هربا من الظلم، وطلبا للقمة العيش. فمن لا يصبر على الظلم إما أن يتحول إلى قاطع طريق وإما أن يهاجر، وهذا يسلب من البلاد زهرة شبابها، فان الذين يهاجرون هم الاقوياء المغامرون، ذوي المستوى الاخلاقي العالي الذي يمنعهم من الاجرام. وإلام يؤدي هذا ؟ انه يؤدي إلى هبوط الانتاج، فهذه الايدي الفتية هي التي تدير عمليته، وحين تنقطع عن العمل فلابد أن يصاب الانتاج بالشلل. ومن جملة آثارها أن تنتقل رؤوس الاموال الكبيرة إلى خارج البلاد، فان أصحاب الثروات يستغلون أموالهم عن طريق الزراعة في المجتمات الزراعية، فيعمرون الارض، ويحيون مواتها، ويصلحون نظام الري، ويوجدون عملا للكثيرين ولكن غاية هؤلاء هي الربح، فإذا ما رأوا ان الضرائب والمظالم تذهب بثرواتهم ________________________________________