[ 3 ] الرسالة الالهية والامامة غير مستغنية عن المعجزات: فبما أن الله الذي خلق خلقه (ليعرف ويعبد ويجزي) بدأ خلق الانسان من طين، ثم جعل نسله من ماء مهين (1) فجعله نسبا وصهرا، ثم هداهم برسله وكتبه، ووعدهم حياة طيبة في النشأة الآخرة: بأن يحيي جميع موتاهم، فيخرجون من الاجداث، كأنهم جراد منتشر فلا أنساب بينهم يومئذ، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يجمع الله فيه الاولين والآخرين (والنبيين) إلى ميقات يوم معلوم، قال الله عزوجل: " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم، وتكلمنا أيديهم، وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون. وقالوا لجلودهم: لم شهدتم علينا ؟ قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ، وهو خلقكم أول مرة، وهذا يوم عظيم يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون: أما في جنات النعيم تجري من تحتها الانهار خالدين فيها، نعم الثواب وحسنت مرتفقا. وأما في دركات الجحيم، طعامهم من زقوم، وشرابهم من غسلين، وساءت مستقرا. وبما أن تلك الحقائق التي وعدها الله في النشأة الآخرة بعد هذه النشأة الحاضرة المتفانية معارف من غيب الوجود الذي لا ينال بالعقل الذي لا يدرك إلا كليا دون الوجود الخارجي، ولا بعلم التلازم بين الشئ وأثره، كآيات تدل على وجود البارئ، أو النار والاحراق، دليلا لميا أو انيا، ولا بالحس الذي لا يدرك إلا الموجود الحاضر الملموس. بل علمه خاص بعالم الغيب الذي لا يظهر على غيبه أحدا إلا لمن ارتضى من رسول فيوحي إليه من أنبائه. وبما أن العقول قد بهرت وعجزت عن كنه معرفة الله كما قال تعالى: " ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء " وقال عزوجل في الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون: " ما قدروا الله حق قدره إذ قالوا: ما أنزل الله على بشر من شئ ". وقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين، وما يهلكنا إلا الدهر. وقال الكافرون: هذا شئ عجيب: ءإذا متنا وكنا ترابا وعظاماءانا لمبعوثون خلقا جديدا ؟ ! وقال: من يحيي العظام وهي رميم ؟ ! (2) وبما أن هذه رسالة إلهية، ودعوة دينية غيبية، غير مستغنية عن آية باهرة، ومعجزة قاطعة، وحجة بالغة، ليهلك من هلك عن بينة، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وبالجملة فلاجل هذا كله فالرسالة الالهية والامامة مفتقرة إلى الآيات والمعجزات ________________________________________ (1) تجد تفصيل آيات الانسان في النشأتين في كتابنا " المدخل إلى التفسير الموضوعي ". (2) أمثال هذه الآيات والمقالات كثيرة جمعناها في كتابنا " المدخل إلى التفسير الموضوعي ". ________________________________________