والتعريف في ( القرى ) تعريف العهد فإضافة ( أهل ) إليه تفيد عمومه بقدر ما أضيف هو إليه وهذا تصريح بما أفهمه الإيجاز في قوله ( وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ) الآية كما تقدم وتعريض بإنذار الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم من أهل مكة وتعريض ببشارة أهل القرى الذين يؤمنون كأهل المدينة وقد مضى في صدر تفسير هذه السورة ما يقرب أنها من آخر ما نزل بمكة وقيل إن آيات منها نزلت بالمدينة كما تقدم وبذلك يظهر موقع التعريض بالنذارة والبشارة للفريقين من أهل القرى . وقد أخذ الله أهل مكة بعد خروج المؤمنين منها فأصابهم بسبع سنين من القحط وبارك لأهل المدينة وأغناهم وصرف عنهم الحمى إلى الجحفة والجحفة يومئذ بلاد شرك .
والفتح : إزالة حجز شيء حاجز عن الدخول إلى مكان يقال : فتح الباب وفتح البيت وتعديته إلى البيت على طريقة التوسع وأصله فتح للبيت وكذلك قوله هنا ( لفتحنا عليهم بركات ) وقوله ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ) فتح كوة أي : جعلها فتحة والفتح هنا استعارة للتمكين كما تقدم في قوله تعالى ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) في سورة الأنعام .
وتعدية فعل الفتح إلى البركات هنا استعارة مكنية بتشبيه البركات بالبيوت في الانتفاع بما تحتويه فهنا استعارتان مكنية وتبعية وقرأ ابن عامر : ( لفتحنا ) بتشديد التاء وهو يفيد المبالغة .
والبركات : جمع بركة والمقصود من الجمع تعددها باعتبار تعدد أصناف الأشياء المباركة . وتقدم تفسير البركة عند قوله تعالى ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك ) في سورة الأنعام . وتقدم أيضا في قوله تعالى ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ) في سورة آل عمران . وتقدم أيضا في قوله تعالى ( تبارك الله رب العالمين ) في هذه السورة . وجماع معناها هو الخير الصالح الذي لا تبعة عليه في الآخرة . فهو أحسن أحوال النعمة . ولذلك عبر في جانب المغضوب عليهم المستدرجين بلفظ ( الحسنة ) بصيغة الإفراد في قوله ( مكان السيئة الحسنة ) وفي جانب المؤمنين بالبركات مجموعة .
وقوله ( من السماء والأرض ) مراد به حقيقته . لأن ما يناله الناس من الخيرات الدنيوية لا يعدو أن يكون ناشئا من الأرض وذلك معظم المنافع . أو من السماء مثل ماء المطر وشعاع الشمس وضوء القمر والنجوم والهواء والرياح الصالحة .
وقوله ( ولكن كذبوا ) استثناء لنقيض شرط ( لو ) فإن التكذيب هو عدم الإيمان فهو قياس استثنائي .
وجملة ( فأخذناهم ) متسببة على جملة ( ولكن كذبوا ) وهو مثل نتيجة القياس . لأنه مساوي نقيض التالي لأن أخذهم بما كسبوا فيه عدم فتح البركات عليهم .
وتقدم معنى الأخذ آنفا في قوله تعالى ( فأخذناهم بغتة ) . والمراد به أخذ الاستيئصال .
والباء للسببية أي بسبب ما كسبوه من الكفر والعصيان .
( والفاء ) في قوله ( أفأمن أهل القرى ) عاطفة أفادت الترتب الذكري . فاته لما ذكر من أحوال جميعهم ما هو مثار التعجيب من حالهم أعقبه بما يدل عليه معطوفا بفاء الترتب . ومحل التعجيب هو تواطؤهم على هذا الغرور أي يترتب على حكاية تكذيبهم وأخذهم استفهام التعجيب من غرورهم وأمنهم غضب القادر العليم .
وقد تقدم الكلام على مثل هذا التركيب عند قوله تعالى ( أفكلما جاءكم رسول ) في سورة البقرة .
وجيء بقوله ( يأتيهم ) بصيغة المضارع لأن المراد حكاية أمنهم الذي مضى من إتيان بأس الله في مستقبل ذلك الوقت .
وقوله ( أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ) قرأه نافع وابن كثير . وابن عامر وأبو جعفر " بسكون الواو " على أنه عطف بحرف ( أو ) الذي هو لأحد الشيئين عطفا على التعجيب أي : هو تعجيب من أحد الحالين . وقرأه الباقون " بفتح الواو " على أنه عطف بالواو مقدمة عليه همزة الاستفهام فهو عطف استفهام ثان بالواو المفيدة للجمع فيكون كلا الاستفهامين مدخولا لفاء التعقيب على قول جمهور النحاة . وأما على رأي الزمخشري فيتعين أن تكون الواو للتقسيم أي تقسيم الاستفهام إلى استفهامين . وتقدم ذكر الرأيين عند قوله تعالى ( أفكلما جاءكم رسول ) في سورة البقرة .
و ( بياتا ) تقدم معناه ووجه نصبه عند قوله تعالى ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا ) في أول هذه السورة .
A E