والضحى بالضم مع القصر هو في الأصل اسم لضوء الشمس إذا أشرق وارتفع وفسره الفقهاء بأن ترتفع الشمس قيد رمح ويرادفه الضحوة والضحو .
والضحى يذكر ويؤنث وشاع التوقيت به عند العرب ومن قبلهم قال تعالى حكاية عن موسى ( قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ) .
وتقييد التعجيب من أمنهم مجيء البأس بوقتي البيات والضحى من بين سائر الأوقات وبحالي النوم واللعب من بين سائر الأحوال لأن الوقتين أجدر بأن يحذر حلول العذاب فيهما لأنهما وقتان للدعة فالبيات للنوم بعد الفراغ من الشغل . والضحى للعب قبل استقبال الشغل فكان شأن أولي النهى المعرضين عن دعوة رسل الله أن لا يأمنوا عذابه بخاصة في هذين الوقتين والحالين .
وفي هذا التعجيب تعريض بالمشركين المكذبين للنبي صلى الله عليه وسلم أن يحل بهم ما حل بالأمم الماضية فكان ذكر وقت البيات ووقت اللعب أشد مناسبة بالمعنى التعريضي تهديدا لهم بأن يصيبهم العذاب بأفظع أحواله إذ يكون حلوله بهم في ساعة دعتهم وساعة لهوهم نكاية بهم .
وقوله ( أفأمنوا مكر الله ) تكرير لقوله ( أفأمن أهل القرى ) قصد منه تقرير التعجيب من غفلتهم وتقرير معنى التعريض بالسامعين من المشركين . مع زيادة التذكير بأن ما حل بأولئك من عذاب الله يماثل هيئة مكر الماكر بالممكور فلا يحسبوا الإمهال إعراضا عنهم وليحذروا أن يكون ذلك كفعل الماكر بعدوه .
والمكر حقيقته : فعل يقصد به ضر أحد في هيئة تخفى أو هيئة يحسبها منفعة . وهو هنا استعارة للإمهال والإنعام في حال الإمهال فهي تمثيلية شبه حال الإنعام مع الإمهال وتعقيبه بالانتقام بحال المكر وتقدم في سورة آل عمران عند قوله ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) .
وقوله ( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) مترتب ومتفرع عن التعجيب في قوله ( أفأمنوا مكر الله ) لأن المقصود منه تفريع أن أهل القرى المذكورين خاسرون لثبوت أنهم أمنوا مكر الله والتقدير : أفأمنوا مكر الله فهم قوم خاسرون .
وإنما صيغ هذا التفريع بصيغة تعم المخبر عنهم وغيرهم ليجري مجرى المثل ويصير تذييلا للكلام ويدخل فيه المعرض بهم في هذه الموعظة وهم المشركون الحاضرون والتقدير : فهم قوم خاسرون إذ لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون .
والخسران هنا هو إضاعة ما فيه نفعهم بسوء اعتقادهم شبه ذلك بالخسران وهو إضاعة التاجر رأس ماله بسوء تصرفه لأنهم باطمئنانهم إلى السلامة الحاضرة وإعراضهم عن التفكر فيما يعقبها من الأخذ الشبيه بفعل الماكر قد خسروا الانتفاع بعقولهم وخسروا أنفسهم .
وتقدم قوله تعالى ( الذين خسروا أنفسهم ) في سورة الأنعام وقوله ( فأولئك الذين خسروا أنفسهم ) في أول هذه السورة .
وتقدم أن إطلاق المكر على أخذ الله مستحقي العقاب بعد إمهالهم : أن ذلك تمثيل عند قوله تعالى ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) في سورة آل عمران .
واعلم أن المراد بأمن مكر الله في هذه الآية هو الأمن الذي من نوع أمن أهل القرى المكذبين الذي ابتدىء الحديث عنه من قوله ( وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ) ثم قوله ( أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا ) الآيات وهو الأمن الناشئ عن تكذيب خبر الرسول صلى الله عليه وسلم وعن الغرور بأن دين الشرك هو الحق فهو أمن ناشئ عن كفر . والمأمون منه هو وعيد الرسل إياهم وما أطلق عليه أنه مكر الله
