ومن الأمن من عذاب الله أصناف أخرى تغاير هذا الأمن وتتقارب منه وتتباعد بحسب اختلاف ضمائر الناس ومبالغ نياتهم فأما ماكان منها مستندا لدليل شرعي فلا تبعة على صاحبه وذلك مثل أمن المسلمين من أمثال عذاب الأمم الماضية المستند إلى قوله تعالى ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) وإلى قول النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) فقال النبي E : أعوذ بسبحات وجهك الكريم ( أو من تحت أرجلكم ) فقال : أعوذ بسبحات وجهك الكريم ( أو يلبسكم شيعا ) الآية فقال : هذه أهون كما تقدم في تفسيرها في سورة الأنعام ومثل أمن أهل بدر من عذاب الآخرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : " اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " في قصة حاطب ابن أبي بلتعة .
A E ومثل إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن سلام أنه لا يزال آخذا بالعروة الوثقى ومثل الأنبياء فإنهم آمنون من مكر الله بإخبار الله إياهم بذلك وأولياء الله كذلك قال تعالى : ( إلا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون ) فمن العجيب ما ذكره الخفاجي أن الحنفية قالوا : الأمن من مكر الله كفر لقوله تعالى ( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) .
والأمن مجمل ومكر اله تمثيل والخسران مشكك الحقيقة وقال الخفاجي : الأمن من مكر الله كبيرة عند الشافعية وهو الاسترسال على المعاصي اتكالا على عفو الله وذلك مما نسبه الزركشي في شرح جمع الجوامع إلى ولي الدين وروى البزار وابن أبي حاتم عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : ما الكبائر فقال : الشرك بالله واليأس من روح الله والأمن من مكر الله . ولم أقف على مبلغ هذا الحديث من الصحة وقد ذكرنا غير مرة أن ما يأتي في القرآن من الوعيد لأهل الكفر على أعمال لهم مراد منه أيضا تحذير المسلمين مما يشبه تلك الأعمال بقدر اقتراب شبهه .
( أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون [ 100 ] ) عطفت على جملة ( أفأمن أهل القرى ) لاشتراك مضمون الجملتين في الاستفهام التعجيبي فانتقل عن التعجيب من حال الذين مضوا إلى التعجيب من حال الأمة الحاضرة وهي الأمة العربية الذين ورثوا ديار الأمم الماضية فسكنوها : مثل أهل نجران وأهل اليمن ومن سكنوا ديار ثمود مثل بلي وكعب والضجاغم وبهراء ومن سكنوا ديار مدين مثل جهينة وجرم وكذلك من صاروا قبائل عظيمة فنالوا السيادة على القبائل : مثل قريش وطي وتميم وهذيل فالموصول بمنزلة لام التعريف العهدي وقد يقصد بالذين يرثون الأرض كل أمة خلفت أمة قبلها فيشمل عادا وثمودا فقد قال لكل نبيهم ( واذكروا إذ جعلكم خلفاء ) الخ ولكن المشركين من العرب يومئذ مقصودون في هذا ابتداء . فالموصول بمنزلة لام الجنس .
والاستفهام في قوله ( أو لم يهد ) مستعمل في التعجيب مثل الذي في قوله ( أفأمن أهل القرى ) تعجيبا من شدة ضلالتهم إذ عدموا الاهتداء والاتعاظ بحال من قبلهم من الأمم ونسوا أن الله قادر على استئئصالهم إذا شاءه .
والتعريف في الأرض تعريف الجنس أي يرثون أي أرض كانت منازل لقوم قبلهم وهذا إطلاق شائع في كلام العرب يقولون هذه أرض طيء وفي حديث الجنازة ( من أهل الأرض ) أي من السكان القاطنين بأرضهم لا من المسلمين الفاتحين . فالأرض بهذا المعنى اسم جنس صادق على شائع متعدد فتعريفه تعريف الجنس وبهذا الإطلاق جمعت على أرضين فالمعنى : أو لم يهد للذين يرثون أرضا من بعد أهلها